النبي محمد.. مالك القلوب بالخلق الرفيع


 قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (وإنك لعلى خلقٍ عظيم)[1].

قبل الحديث عن جوانب من أعظم شخصية عرفها الكون كله وهي شخصية النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لابد أن نعرف أن كل واحد منا نحن البشر له سعة وجودية معينة؛ فقد تكون السعة الوجودية مادية تارةً، وتكون معنوية تارةً أخرى:

*السعة الوجودية المادية..

 هي عبارة عن الفراغ الذي يشغله كل واحد منّا، حيث إن كل واحد منّا يشغل مقداراً من الفراغ أو ما يشبهه في هذا الكون، وهذا الفراغ له طول وله عرض وله عمق، فهذه سعة وجودية مادية، وقد كان بعض العلماء قديماً يعتقدون انه لا توجد في الذرة سعة مادية، لكن اليوم أثبت العلماء أن في هذه الذرة التي لا نشاهدها بالعين المجردة سعةً وجوديةً ماديةً، أي أنَّ لها يميناً ولها شِمالاً، ولها فوقاً ولها تحتاً ولها أماماً ولها خلفاً؛ ولكن هذه السعة الوجودية لا تُعد ملاكاً للحكم، حيث جاء في قوله تعالى: (...إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا)[2]، فالبشر في مقابل جبل لا يُعد شيئاً، لأن السعة الوجودية المادية لهذا الجبل لا تقارن بمثل هذا البشر الذي يشغل فراغاً محدوداً.

*السعة الوجودية المعنوية..

كان أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه يأخذ بيد كميل ويذهب به إلى الصحراء، فلما أصحر به تنفّس الصعداء ثم قال: (إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها)[3]؛ والقلب ليس هو الشيء الذي يشكل مضخةً للدم، وإنما هي الروح والمعنوية، فهنالك قلب يكون استيعابه المعنوي بمقدار كلمة واحدة، وعندما تُقال له وإذا به يفقد صوابه وكيانه، وهذا هو صاحب القلب الصغير، ولكن شخصاً مثل الإمام الحسن المجتبى صلوات الله عليه فان قلبه يوازن بالجبال سعةً، كما عبّر عن ذلك مروان بن الحكم عندما كان يمشي خلف نعشه ويبكي، مع انه كان أحد أعدائه، فقيل له: كيف تبكي خلف نعشه وقد جرعته مُر الآلام في حياته؟ قال: كيف لا أبكي على من كان حلمهُ يوازَن بالجبال[4].

كلما كبُرت السعة الوجودية المعنوية المرتبطة بالكمالات العلمية والعملية، كان قربها إلى الله تعالى أكثر، لذا جاء في الأحاديث: أنه لم يعرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا الله وعلي، أي من المحال علينا من الناحية العقلية التعرف على رسول الله صلى الله عليه وآله، لأن الإحاطة العلمية إنما تكون إذا كانت السعتان متكافئتين، ولكن إذا كانت السعة صغيرة كإناء أمام سعة كالبحر، فهل يمكن لإناء أن يحتوي في داخله البحر؟ الجواب هو: كلا، ومحال؛  والحديث الشريف يقول: (ما عرف محمداً إلا الله وعلي وما عرف علياً إلا الله ومحمد وما عرف الله إلا محمد وعلي)[5]، إذن فالسعة الوجودية لا يمكن أن تحيط بتلك السعة الوجودية الكبيرة.

فيما يتعلق بالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، نذكر بعض مظاهر السعة الكبيرة ومجالاتها في الحياة:

المجال الأول: الحياة الشخصية..

كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يعيش وبيده القيادة الدينية والقيادة الدنيوية، فالقيادة الدينية هي الحكم على القلوب، فيما القيادة الدنيوية هي الحكم على الأبدان، واليوم القيادة تعني كل شيء، فإذا أصبح شخص ما قائداً فيعني هذا أنه يحصل على كل الإمتيازات، فكيف به إذا أصبح قائداً دينياً ودنيوياً في وقت واحد؟! لكن الرسول الاكرم يحمل روحية كبيرة، وهذه الروحية كانت يجري من عندها كل شيء، أي أنها لم تكن لتحتفظ بشيء، فالنبي لم يكن ينظر إلى هذه الدنيا، كما أن الله سبحانه وتعالى لا ينظر إلى هذه الدنيا منذ خلقها وحتى نهايتها، لأنها لا قيمة لها عنده سبحانه وتعالى، لذا كانت الدنيا تأتي من تحت يدي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وتذهب وهو متجاهلٌ لها، لأنها ليست ذات قيمة بالنسبة إليه، وهي من تجليات السعة الكبيرة، فإذا تأتي الدنيا لصاحب السعة المتواضعة، ولو قليلاً، نراه يطغى ويتجبر ويبخل، بينما صاحب القلب الكبير لا يعبأ بهذه الدنيا.

المجال الثاني: الحياة العائلية..

كان النبي الاكرم صلى الله عليه وآله يتعامل مع الصالحة والطالحة في عائلته، ويؤكد الله تعالى وجود الطالحة في القرآن الكريم الذي يخاطب زوجتين من زوجات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (وإن تظاهرا عليه...) أي تتآمران ضد النبي وفي بيت النبي نفسه؛ (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير)[6]، ونظراً لحجم المؤامرة على النبي صلى الله عليه وآله، فان الله يهددهم، أي أنَّ النبيَّ ليس وحدَه في الميدان، فالله معه يدافع عنه، كما إن علياً في الميدان أيضاً وهو صالح المؤمنين، كما إن المؤمنين في الميدان والملائكة في الميدان أيضاً، كل ذلك يقال لوجود مؤامرة كبيرة ضد رسول الله من قبل زوجتيه، وكان من بين زوجات النبي الأُخَر أيضاً أم سلمة، ولمزيد من التحقق إقرَؤُوا تفاسير العامة في هذه الآية الكريمة: (وإن تظاهرا عليه...)، في مقابل كل ذلك كيف كانت معاملة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مع هاتينِ المرأتين؟ هل سمع أحد أن النبي قال كلمة قاسية وسط هذه العائلة؟ أو أنه تعرض للإهتزاز؟ الجواب: كلا...

فإذا كان الرجال والنساء بمثل هذه الأخلاق لكانت كل عوائلنا اليوم سعيدة وبعيدة عن البلاء وعن المشكلات التي نعيشها اليوم... نرى الزوجين بعد يومين من الزواج يتخاصمان ويتنازعان، فما السبب؟ إنه يكمن في التحمّل، إذ يجب أن يتوفر التحمّل عند الرجل وأيضاً عند المرأة أيضاً، وإذا السعة الوجودية ضيقة، فيجب أن تتوسّع؛ وكما جاء في الحديث: (تحلّم تكن حليماً)[7]، والنتيجة يلمسها الإنسان نفسه، حيث يشعر هو بالارتياح في حياته -لا علينا الآن بالحديث عن الآخرة، حيث هي وثواب الله تعالى في محله- بدلاً من أن تنقضي الحياة على مدى ثلاثين أو أربعين عاماً في النكد والنزاع والمشاجرة وغيرها، فهذه لن تسمى حياة وإنما جحيماً، لذا جاء في زيارة الإمام الحسين سيد الشهداء صلوات الله عليه: (عشتَ سعيداً)[8] أي أن الإمام كان سعيداً، لكن هل كان بثروته؟ كلا؛ علماً إن الإمام كانت لديه الثروة، لكن لم تكن مصدراً لسعادته، وإنما كانت سعادته بطاعة الله وبالأخلاق.

البعد الثالث: الحياة الاجتماعية..

كان عند النبي صلى الله عليه وآله الكثير من الدواعي إلى الترفع؛ فمن من ناحية البيت، فهو ينتمي إلى أشرف بيت في العالم كله، ومن ناحية العلم، لا يوجد أعلم منه، ومن ناحية الفضائل الأخلاقية، لا أحد يفوقه في هذا الميدان، ولكن كلما زادت نقاط القوة في النفس الكبيرة، يزداد التواضع والخضوع، ولم يكن يتعامل مع الآخرين من وراء الحجب؛ لنتصفح كتب الروايات لنلاحظ الكثير من صور التعامل للرسول الأكرم مع الناس، وكان يجلس ليُرقع ثوبه بالإبرة والخيط، وهذا ليس في مكان ظاهر حتى يعده مجتمعنا بأنه نوع من الرياء، وإنما في مكان غير ظاهر، فهل نحن مستعدون لهكذا عمل إذا حصل شيء لملابسنا؟ وفي الوقت الذي كان الأفراد المهمُّون يركبون الخيل، كان النبي صلى الله عليه وآله يركب الحمار تواضعاً؛ وكان يعلف الناضح، أي البعير، فقد كان يأخذ العلف بيده المباركة ويأتي به أمام البعير ليأكل؛ ويجيب دعوة المملوك وهو عبدٌ، كما لو أن خادماً قال لشخص ما: أنت اليوم مدعوٌ عندي في بيتي! ويحلب العنز بيده؛ ويُسلّم على الصبيان، وهناك البعض لايسلّم حتى على زوجته! ويقول هي التي يجب أن تسلّم عليّ، أو لا يسلم على ابنه، بنفس السبب، وكان صلى الله عليه وآله يقول: (...ليكون ذلك سنةً من بعدي)[9]، ويكنس البيت بيده؛ وحتى يقتدي المؤمنون إلى يوم القيامة بأخلاق النبي صلى الله عليه وآله؛ فهذه هي الأخلاق، وهذا من تجليات الروح الكبيرة، وكان يقوم بنفس الأعمال مراجع التقليد الذين مضوا على خط النبي صلى الله عليه وآله، رغم مقام المرجعية، منهم الشيخ عبد الكريم الحائري[10] رحمة الله عليه الذي كانت له إمرأة عمياء وشلاء، لكنه لم يتركها جانباً، وإنما كان يقوم بشؤونها، وينظفها بنفسه، وكان يحملها على ظهره في الليالي عندما كانوا يصعدون على سطوح المنازل للنوم، وهذا هو الشيخ عبد الكريم الحائري مؤسس الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة، وكل من جاء بعده فهم يعيشون ببركات وجوده، إذن يجب على الإنسان ألا يتكبر وألا يتعامل مع الآخرين من خلال الحواجز.

قبل الختام أنقل هذه الرواية التي تعبر عن المدى الواسع لحبّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله من لدن أصحابه، لما رأوا فيه من أخلاقه وتعامله، مع قطع النظر عن مقامه الإلهي؛ فحصل أن بعث النبي صلى الله عليه وآله عدة أفراد إلى قبيلة هُذَيل، وكانت من القبائل العربية حتى يُعَلِّمُوهم الدين، إلا أنَّ هؤلاء خانوا أصحاب النبي وقتلوا منهم جماعة وبقي واحد منهم اسمه زيد، فأخذوه وباعوه في مكة، واشتراه أحدُ المشركين ثم أخذه وأراد قتله، فجاء أبو سفيان إلى هذا الرجل – زيد- وقال له: أُقسِمُ عليك بالله – طبعاً لم يكن أبو سفيان مؤمناً بالله بل لأنه يتكلم مع مسلم-  أتُحِبُّ أنك عند أهلك ومحمدٌ في مكانك تُضرَبُ عنقُه؟! فقال زيد والله ما أحب أن محمداً في أهله يُشاك بشوكة وأنجو من القتل، فقال أبو سفيان بعد ما سمع هذه الكلمة: والله ما رأيت أصحابَ رجلٍ يحبون شخصاً كما يُحب أصحاب محمدٍ محمداً[11].

من هنا يقول الحديث الشريف: (عاشروا الناس معاشرةً إن عشتم حنوا إليكم وإن مُتم بكوا عليكم)[12]، لا أن يكون الحال بالعكس؛ حيث يُقال: الحمد لله الذي خلَّصَنا منه! أو قد يقول أحدٌ ما ذلك في قلبه، وإنما يقول ما تقوله الآية الكريم: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدّاً)[13]، وعليه يجب ان نستلهم من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن أخلاقه وهديه في حياته الشخصية وحياته العائلية وحياته الاجتماعية، حتى نَسعد إنشاء الله في هذه الدنيا ونكون مَرضِيِّينَ عند الله سبحانه وتعالى في الآخرة.


[1] - القلم : 4 .
[2] - الإسراء : 37 .
[3] - نهج البلاغة : باب المختار من حكم أمير المؤمنين ومواعظه ، الحكمة 147 .
[4] - الأنوار البهية : 89 .
[5] - راجع : تاويل الآيات ، ج1 ، 221 .
[6] - التحريم : 4 .
[8]- مصباح المتهجد : ص 789 ( زيارة الأربعين ) .
[9] - الأمالي : ص 130 .  
[10] - هو آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي مؤسس الحوزة العلمية في قم المقدسة ، ولد في قرية مهرجرد سنة 1276 هـ وتوفي سنة 1355 هـ ودفن في قم المقدسة .
[11] - تفسير البغوي : ج1 ، ص182 .
[12] - بحار الأنوار : ج 75 ، ص 77 .
[13] - مريم : 96 . 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز