العدالة في حكم الامام علي بين القانون والتطبيق


في شخصية الامام علي (عليه السلام) جوانب كثيرة  نحن بحاجة  اليها بعيدا عن ما هو مطروح في هذه الايام، ولا نكتفي فقط بسرد واقعة الاستشهاد وان كانت هي بذاتها جانب متكامل وفيه عدة زوايا وابعاد، ولكنها اصبحت قضية خطباء المنابر، فاصبحوا يتطرقون لهذه المصيبة ويعرجون على تفاصيلها بالدمعة والعزاء، وبنداء جبرائيل تهدمت والله اركان الهدى.

استوقفني في كتاب عن الامام علي (عليه السلام) عدة جوانب قد يغفل عنها المجتمع، ولا يعرف عنها كثيرا، فلسنا في مجال طرح سيرة عالم او فيلسوف حتى نقرأ عنه قراءة سطحية، ولا نبحث عن ما هو خلف السطور، لعظمة هذه الشخصية العملاقة التي افصح عنها الجليل بهدم اركان الهدى لشهادته! هذه العبارة لو بحثت عنها لالاف السنين لا اجد من يفسر ما كان يقصد فيها جبرائيل (عليه السلام).

 وان فسروها العلماء لكنها تبقى تفاسير بشرية تختلف عن تفسير الله عز وجل وملائكته لذلك قال النبي محمد (صلى الله عليه واله): ياعلي لا يعرف الله الا انا وانت، ولا يعرفني الا الله وانت ولا يعرفك الا الله وانا)، اذن منزلة علي عند الله لا يعرفها احد من البشر وان على منزلته اصبح وجيها بالعلم. 

في مجتمعنا اليوم نحن بحاجة الى هذه  الجوانب التي عالجها الامام علي في حكومته الرائدة حتى اصبح نموذج الحاكم العادل في الدولة الاسلامية مع اختلاف الديانات التي كانت في حكومته (عليه السلام) لم نجد هناك مسيحي مات من الجوع، او يهودي قد اعتقل بتهمة ديانته، او مسلم تعرض لسرقة، الجميع يعيش في سلام وامان، وقد نقل لنا التاريخ حقبة عن عدل الإمام علي (ع) في حكومته، حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كفي وكف علي في العدل سواء، و"يدي و يد علي بن أبي طالب في العدل سواء، و"إنه أوفاكم بعهد الله تعالى، وأقومكم بأمر الله، وأعدلكم في الرعية، وأقسمكم بالسوية، وأعظمكم عند الله مزية.

ولقوله (عليه السلام): "والله، لأن أبيت على حسك السعدان مسهدا، أو اجر في الأغلال مصفدا أحب إلي من ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام. والله، لو اعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصى الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته.

وورد عن الامام علي بن ابي طالب "عليه السلام":" احاج الناس يوم القيامة بسبع: إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقسم بالسوية، والعدل في الرعية، وإقام الحدود.

 وقال المولى صالح الكشفي الحنفي:" كان أمير المؤمنين علي (عليه السلام) دخل ليلة في بيت المال يكتب قسمة الأموال، فورد عليه طلحة والزبير، فأطفأ (عليه السلام) السراج الذي بين يديه، وأمر بإحضار سراج آخر من بيته، فسألاه عن ذلك فقال (عليه السلام): كان زيته من بيت المال لا ينبغي أن نصاحبكم في ضوئه".

الامام علي وتطبيق قانون العدالة

من اهم القوانين التي كتبها الامام علي (عليه السلام) إلى مالك الاشتر بن النخعي عندما ولاه الحكم على مصر، كانت تتضمن  محاور عدة منها كيفية إدارة وسياسة الدولة، الاهتمام بحق الشعب وعدم اهمالهم، وتلبية طلباتهم، تشريع بعض القوانين النافعة في الزراعة والحصاد وكيفية القضاء على الفقر، واحترام الديانات الاخرى والمعاملة بالحسنى، وهو يمثل نظاما وقانونا ناجحا، وقد نقل هذا العهد مجموعة من العلماء، منهم محمّد بن الحسن الطوسي من أعلام القرن الخامس فيذكر الشيخ الطوسي سنداً صحيحاً عند المشهور للعهد، وكذلك النجاشي، ورواه الشريف الرضي أخو الشريف المرتضى في كتاب نهج البلاغة، ورواه أيضاً ابن أبي شعبة الحرّاني -الذيكان يعيش في أواسط القرن الرابع المعاصر للشيخ الصدوق في كتابه تحف العقول، إذن عهد مالك الأشتر له العديد من المصادر.

كلام الامام علي (عليه السلام الى مالك الاشتر): وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أونظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك! وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم» علي ابن ابي طالب، نهج البلاغة.

رسالة الامام علي وتطبيقها في الأمم المتحدة

" اعتمدت الرسالة في الأمم المتحدة كونها من أوائل الرسائل الحقوقية والتي تحدد الحقوق الواجبات بين الدولة والشعب؛ هذا العهد وصل إلى أذن الأمين العام للأُمم المتحدة عبر زوجته السويدية، وقد قال الأمين العام للأمم المتحدة: إنّ هذه العبارة من العهد يجب أن تعلّق على كلّ المؤسسات الحقوقية في العالم، والعبارة هي: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق".

 وهذه العبارة جعلت كوفي عنان ينادي بأن تدرس الأجهزة الحقوقية والقانونية عهد الإمام لمالك الأشتر، وترشيحه لكي يكون أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وبعد مداولات استمرّت لمدّة سنتين في الأمم المتحدة صوّتت غالبية دول العالم على كون عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي وقد تمّ بعد ذلك إضافة فقرات أُخرى من نهج البلاغة غير عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر كمصادر للقانون الدولي". وذلك نقلا عن وكيبديا.

 الكاتب المسيحيّ جورج جرادق يتساءل عن قول الامام؛ هل عرفت إماماً لدين يوصي ولاته بمثل هذا القول في الناس: "فإنّهم إمّا أخٌ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، أعطِهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه".

الحكومات الاسلامية تفقد عدالة الامام علي

ما نشاهده اليوم من الظلم والاستعباد، وما نقرأه عن الامس وكيف كانت العدالة سيدة القوانين، نتأسف كثيرا على حال الشعوب العربية وما جرى عيها من حكامها، اصبحت العدالة مفقودة، وبينما الغرب يطبق نظرية الامام علي عن العدالة ويعلقها في المحاكم، ينام العرب على هذه الرسالة العظيمة، ويتعامل على اساس الحكم في الرأي، اين العرب عن هذا التشريع؟، لماذا الفقر، لماذا النزوح، لماذا العنصرية، الاموال بيد الدولة والرعية يستقطعون فتات الخبز فيما بينهم، ومن واجب الدولة الحاكمة ان توفر لهم المأكل والمشرب والعيش الكريم، فكثيرا ما كان يقول (عليه السلام): «الله الله في هؤلاء»،  اليوم من يتفقد احوالهم، او يستمع الى معاناتهم، من الصعب جدا ان تجد عدالة في المجتمع بالصورة المطلوبة، هل رأيتم رئيس يأكل الخبز مع الملح، يلبس الملبس الخشن، حاكم يحكم بعبقرتيه وإنسانيته، لا شبيه له في حكام اليوم ومن ك علي (عليه السلام)؟ وان سلوني يوما عن العدل اقول لهم لقد رحل عليا عليه السلام .

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز