دار لآبائي!


خلف كل قرار حكاية تغيب معالم مدنها من الذاكرة كلما تقدم قطار العمر الى الامام، الا حكاية اولدت قراري، تأبى ان تُنتزع من ذاكرتي، لما كان ذاك العيد عيد مضنيا!

وكعادتنا نذهب الى بيت جدتي قبل ذهابنا للتنزه، مررنا عليها، اذكر جيدا التعب الذي لف محياها من اثر المرض !لم تمر سوى بضع دقائق على بقائنا عندها، حتى قام ابي ونادانا لنتبعه، لم توافق امي وحاولت اقناعه ان نؤجل خروجنا هذا اليوم، ريثما يتحسن وضعها الصحي، الا انه رفض وقال ان اليوم يوما للتفسح وليس للمكوث بالدار جنب المرضى!.

واقنعها اننا لن نتأخر عليها، ترجت جدتي امي بعينيها خوفا ان تنتابها النوبة التي ترميها ارضا من الاختناق، ولن يسعفها حينها خلا وجود احدا بجانبها يضع لها الاوكسجين المخصص لكن امي رافقت ابي خوفاً ان ينالها شيء من غضبه، تركناها ومضينا.

لم اشعر بالمتعة، كنتُ قلقاً على جدتي، وكنت الح على ابي بين الحين والآخر اذكره بجدتي كي نعود، فوافق بعد عناء طويل .

استبقنا ابي بالدخول لدار جدتي وكنا خلفه فتسرب لمسامعنا صراخه هلعاً، فلما دلفت  نحوه وجدت جدتي تتكئ على الباب الذي يربط دارها بدار عمي الصغير، وبجانبها تناثرت كل اقراص الادوية وعلبها، بدت وكأنها صرخت كثيرا محاولة ان يسمعها احد ويفزع اليها، لكن الجميع كان يستمتع بينما هي تحتضر، رحلت جدتي عن الدنيا غريبة وحيدة وكأنها لم تلد سبعة من الذكور والاناث، رحلت تتألم ولم يواسيها سوى كومة من الجمادات..

 بعد ذلك الحادث كبرت وانا اذكر ذاك اليوم دائماً، وكنت احاول ساعيا في قرارة نفسي ان امد يد العون لكل من هم مثل جدتي، وقررت قراري باحتضان كل من هم ضحية العقوق وانشغال ابنائهم، فلما كنت في الخارج اكمل دراستي الجامعية، وصلني خبر وفاة ابي، ولكن الغريب ان ابي مات بنفس الطريقة التي ماتت بها جدتي، بعد ان ورث منها ذات المرض الذي فتك بروحها، مات ابي عندما كان اهلي في زيارة لاخوالي، كان وحده يصارع نوبة الاختناق، وكأن دين ترك جدتي كان لابد ان يوفى اليه، فكما تدين تدان!.

عدت لبلادي وانا اسعى لتحقيق حلمي، حتى تمكنت من فتح دار اسميته ب "دار لآبائي" بدلاً من "دار للمسنين "لان كل الذين سوف احتويهم هم آبائي، وسوف انتقل للعيش معهم مع اسرتي الصغيرة، استمع اليهم واعينهم بنفسي .

الوالدان نعمة وبرهما طريق معبد لنيل خير الدنيا والآخرة، الا اننا نضع العوائق بأيدينا ونهمل وضوح الدرب بعد ان وجدناه، والباري نجده يؤكد في كل مره على صحبتهما وطاعتهما حتى ان تعدى الامر ان يجبرانا على الشرك بأن يوصينا في كتابه الكريم عند عدم الاطاعة بأن نصاحبهما في الدنيا معروفا!.

قال نبي الرحمة (ص): "بر الوالدين افضل من الصلاة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله، فعلى المسلم ان يكون شديد الاهتمام في تكريمهما وتعظيمهما واحترامهما ولا يقصر في خدمتهما".

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز