تمكين المرأة علميا في المجتمع الاسلامي.. من وحي السيدة الزهراء

152 2019-02-09

في ظل النهضة العلمية الواسعة التي شهدها العالم، والتطور الخارق الذي لحق جميع جوانب الحياة والذي غالبا ما تمثل باختلاط الطاقات والمقومات العلمية التي يمتلكها الرجل والمرأة على حد سواء، يمكننا ملاحظة التقصير الواضح الذي يخط  محور تفاعل المرأة في الساحة العلمية، وإذا كان متواجدا فذاك يقتصر على حمل الشهادات بمختلف مستوياتها وتعليقها على جدار البيت دون التطبيق العملي لها وسد الثغرات العلمية التي يعاني منها المجتمع.

فما نشاهده اليوم، هو التركيز على الجزء المادي من العلم والذي يتمثل بالشهادة العلمية فقط، والذي غالبا ما تكون ميتة وخالية من الحياة، فليس بعيد أن تجد خريجة كلية التربية النفسية تجهل معاملة أطفالها بطريقة علمية متطورة وسليمة وفق النظام العلمي التربوي الذي تعلمته خلال المرحلة الدراسية، والذي عن طريقه يمكنها أن تستوعب العوامل التربوية التي تؤثر على مرحلة تنشئة الطفل وفهم نفسية الطفل بشكل واسع والطريقة المناسبة للتعامل معها..

فما نحتاجه اليوم هو تمكين المرأة وتقويتها علميا لمواكبة المجتمعات المعاصرة، لأن انزواءها في البيت وعدم التطلع إلى الثقافات المطروحة سيسبب خطر كبير على المجتمع الإسلامي، لأن الدول الأخرى والثقافات الأخرى تحاول بكل الطرق أن تعطي للمرأة مكانة مهمة تساوي حقوقها مع الرجل ومن ثم تشير بإصبع الاتهام إلى الإسلام على أنه ينتقص من المرأة ويحد من تطورها ويحاول الغاء دورها في المجتمع.

فدور المرأة اليوم يختلف عن دورها في الأمس، وهذا ما لا تدركه العقول، لأن الأدوار ترتبط بمدى حاجة الساحة والمجتمع لها.

فتعليم المرأة واخراجها من دائرة الجهل هو أمر ضروري جدا، لأن مصير نصف المجتمع الذي يجب أن تربيه بيدها هي، ولكن مع بالغ الأسف يمكننا القول بأن الكثير من الناس لم يستوعبوا هذا الخطر الذي يلاحق مستقبل الأجيال، وقلصوا دور المرأة فقط بالزواج والبيت، بينما هي تمتلك طاقات تفوق طاقات الرجل ويمكنها أن تؤدي الجانبين على أتم واجب دون التقصير في جانب الزواج- فيما لو كانت مستوعبة الأولية واهمية العمل والهدفية التي يسعى إليها الإسلام في تحقيق ذلك.

وحتى إذا سخرت جميع وقتها للبيت والزواج، ألا يحتاج الزواج إلى ثقافة وأسلوب واقعي للتعامل مع متطلبات الحياة الزوجية واستيعاب الطرف المقابل؟؟ كيف ستربي الأطفال إذا كانت لا تملك من العلم درجة واحدة؟ كيف ستستوعب أفكارهم إذا وصلوا إلى مراتب علمية عالية بينما هي لا تعرف واحد زائد واحد يساوي كم؟!.

فما نمر به اليوم يجبر المرأة الذكية أن تواكب كل التطورات التي تحصل في المجتمع على كل الأصعدة وتتطلع إلى كل ما هو جديد، كي تتمكن بسهولة أن تجد لغة مشتركة بينها وبين أطفالها وتتمكن من خلالها التواصل معهم.

فكل الانشغالات التي تمر بها المرأة لا يمنعها أبدا أن تطور من نفسها وتكتسب العلم وتعلو بذاتها بجناح العلم والدين، فالدين الإسلامي اليوم يحتاج إلى نساء واعيات ومتعلمات، سلاحهن العلم، فهل يعقل بأن تكون ناصرة امام زمانها امرأة جاهلة لا تفقه شيئا عن أمور الدين والدنيا؟!.

واستشهد التاريخ الإسلامي لنا بسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بعلمها الغزير وحكمتها البالغة، وإن كان علمها هو علم إلهي، إلا انها مكنت من نساء مجتمعها، ورفعتهم من قاع الجهل.. وهذا بيان واضح إلى مدى أهمية تمكين المرأة علميا ودينيا، ولتبيان أهمية ذلك للتاريخ قامت السيدة بدور المعلم والمرشد والموجه والمربي لنساء عصرها اللاتي كنَّ يتجمعن حولها ويتلقين منها أحكام الإسلام وعلومه.

"وقد اهتمت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنشر العلوم والمعارف الإسلامية بين النساء، فكان لها مجلس علمي يحضره نساء المهاجرين والأنصار حتى يأخذن منها أحكام الإسلام وأخلاقه ومفاهيمه وأسسه وفلسفته".

ففي ذلك الوقت الذي كانت المرأة مقيدة جدا ومحاطة بسور من التخلف والعادات الجاهلية، كانت السيدة تلعب معهن دور المعلم وأنشأت مدرسة صغيرة أو منتدى ديني وثقافي في بيتها، وأصبحت ترفدهن بالعلم.. فمقارنة هذا الزمن بذاك، ماذا يا ترى تفعل نساءنا اليوم؟

هل فتحن الجمعيات والمدارس والمنتديات العلمية والثقافية التي ترفع من شأن المرأة وتمكنها علميا وتخلق منها شخصية قوية؟، هل كافحن من أجل الوصول إلى أعلى مراتب العلم والدين؟.

الأغلب الجواب يكون لا، فقد انقسم المجتمع الإسلامي إلى شريحتين، شريحة منفتحة جدا، لدرجة أنها نافت الحدود الشرعية وتكحلت بتقاليد الغرب، والشريحة الثانية هي الشريحة المعقدة التي ترى الدين بمنظار أسود، وهؤلاء بالذات عكسوا للدين صورة سيئة للعالم!، ومثلوا الدين على أنه دين التخلف والتعقيد والسواد!، وهؤلاء برأيي الشخصي الأضل سبيلا..

وهؤلاء بالذات بقول أحد المفكرين، يمنعون بناتهم من التعليم والتطور، وعندما تمرض نساءهم يبحثون عن طبيبة!.

من أين ستأتي الطبيبة والمبلغة والمعلمة لو لم تتعلم فتياتكم!، كيف تسيرون على نهج الرسول الأكرم وانتم لا تتبعون كلامه، ألم يقل بحديث شريف وصريح: "خذوا العلم من المهد إلى اللحد"؟.

فمن يحاول تحجيم دور المرأة وتقييدها من العطاء لنصرة البشرية والدين الإسلامي، فأنه سيحمل وزرها ووزر من عمل بها، أي ذنب التحجيم وتقييد عطاؤها للمجتمع الإسلامي، وذنب تقصير المرأة من ابداء دورها بالكامل مقابل الطاقات والقدرات التي منحها الله لها.

ومن هنا وللضرورة الملحة التي يعشيها المجتمع فإن المرأة المسلمة المتعلمة لابد أن تقوم بدور تثقيفي في نشر العلوم والمعارف للعالم، وتمكن غيرها من أن تواصل المشوار العلمي في الحياة، إذ أن نشر العلم في المجتمع، يساهم في تنمية الوعي العلمي والثقافي مما ينعكس بدوره على التنمية الثقافية والعلمية بين أفراد المجتمع وخصوصاً في الوسط النسوي.

ويقول أحد العرفاء بأن السيدة الزهراء والسيدة زينب (عليهما السلام) خرجتا وقت الضرورة للمجتمع وارتفع صوتهما للحق، وساحتنا الإسلامية اليوم تعيش الضرورة ذاتها التي أقرتها سيدة نساء العالمين... فدور المرأة اليوم يختلف عن دورها في الأمس، وهذا ما لا تدركه العقول، لأن الأدوار ترتبط بمدى حاجة الساحة والمجتمع لها، فهل من ناصر ينصر الدين؟.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز

فيسبوك