السوءة التي أورثت خزيا

ليس بالضرورة أن تكون هناك معركة قائمة بين فريقين لكي تثبت شجاعتك أمام فريق الخصم، وليس بالضرورة كذلك أن تخلق حروبا وهمية افتراضية، فتصول وتجول لتثبت للآخرين مقدار شجاعتك التي خبّأتها عبر عنتريات كلامية لا طائل لها سوى اللهم اظهار المزيد من التبجح، فما أسهل القول: إني شجاع، وما أكثر المدّعين للبطولة في زمن الانكسار والهزيمة، فتجد أحدهم يرمي الاخرين بالجبن، فيقول: لولا جبنهم وخوفهم وترددهم لما وصل الحال بنا لهذا السوء والتردي!.

الشجاعة لا تتطلب فقط أن تحسن استخدام وسائلك القتالية في المعارك، ولا تعني أن تكون على أهبة الاستعداد لخوض غمار الحروب الطاحنة، ومتمرنا على فنون المواجهة لدحر العدو، الشجاعة تتطلب منك روحا ملأى بالجرأة والتحدي، ونفَسا طويلا لمنازلة الخصم، وسريرة مقدامة لا تعرف الخوف والتردد والإحجام.. الشجاعة هي أن تكون كعلي في منازلة الأقران، ومقاتلة الفرسان، فلقد كان يقول عليه السلام: ما قاتلت أحدا إلا وأعانني على نفسه.

في التاريخ نماذج كثيرة لشجعان عُرفوا بشدة البأس، وقوة الشكيمة وقهر الخصماء والمناوئين هكذا عُرف عنهم وهكذا كان حالهم، ولكن ما هو مآلهم؟ وهل احتفظ التأريخ بأرشفة اسمائهم؟ هل دخلوا سجل الخالدين ببطولاتهم التي لا يُشق لها غبار؟.

الجواب: كلا.. لأن الشجاعة التي تفتقد إلى اخلاقيات الحرب ليست شجاعة ذات قيمة، فهي لا تعدو أن تكون شجاعة زائفة بعضلات مفتولة!.

ألم يكن بإمكان علي عليه السلام أن يقضي على عمرو بن العاص بعد أن كشف سوءته أمامه بضربة واحدة لا ثاني لها؟ بلى بالتأكيد كان قادرا ومقتدرا، لكنه لم يفعلها، لأنها ضربة تفتقد إلى أخلاقيات علي ومناقبيات علي.

وعندما تلاقيا قال الإمام أبياتا من الشعر:

قد علمت ذات القرون الميل

 والخصر والأنامل الطفول

إنى بنصل السيف خنشليل

أحمي وأرمي أول الرعيل

بصارم ليس بذي فلول

ثم طعنه فصرعه واتقاه عمرو برجله، فبدت عورته، فصرف علي وجهه عنه وارتث، فقال القوم:  أفلت الرجل يا أمير المؤمنين.

قال: وهل تدرون من هو؟ قالوا: لا، قال: فإنه عمرو بن العاص تلقاني بعورته فصرفت وجهي عنه..

ورجع عمرو إلى معاوية فقال له: ما صنعت يا عمرو؟

قال: لقيني علي فصرعني.

قال: احمد الله وعورتك!! أما والله أن لو عرفته ما أقحمت عليه.

وقال معاوية في ذلك:

ألا لله  من هفوات عمرو

يعاتبني على تركي برازي

فقد لاقى أبا حسن عليا

 فآب الوائلي مآب خازي

فلو لم يُبد عورته للاقى

به ليثا  يذلل كل نازي

له  كف كأن براحتيها

منايا القوم يخطف خطف بازى

فإن تكن المنايا أخطأته

فقد غنى بها أهل الحجاز.

فغضب عمرو وقال: ما أشد تغبيطك عليا في أمري هذا، هل هو إلا رجل لقيه ابن عمه فصرعه، أفترى السماء قاطرة لذلك دما؟!

قال: ولكنها معقبة لك خزيا.

وكانت عاقبته بالفعل قد أورثته خزيا ستذكره الأجيال مدى الحياة.. أما علي سيخط التاريخ شجاعته بأحرف من نور لأنها شجاعة ذات مناقبيات أخلاقية عالية.. وشتّان بين العاقبتين.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز