أخلاق التقدم: الأخلاق الإلهية ودورها في بناء المجتمع الإنساني

من التعريفات التي عرفت بها الأخلاق \"إن لها مفهوم واسع وآخر ضيق، فإما الضيق فهو تلك الصفات الحميدة الحسنة التي يتعامل بها الإنسان مع الاخر،

من التعريفات التي عرفت بها الأخلاق "إن لها مفهوم واسع وآخر ضيق، فإما الضيق فهو تلك الصفات الحميدة الحسنة التي يتعامل بها الإنسان مع الاخر، وتجنب ما يناقضها، أما المفهوم الواسع لها فهو الخلفيات الروحية والمنطلقات النفسية التي ينطلق منها الانسان"  في أي فعل أو ردة فعل مع كل مخلوق، وليس مع نظيره الانسان فقط، وهنا تكمن قيمة إنسانية الإنسان، وحقيقة ما هو عليه.

فإن الخالق سبحانه غرسها القيم في فطرته كالبذور، وأعطاه القدرة على أن يتعرف عليها وينميها ليجعلها تثمر بصورة ملكات تصاغ بها شخصيته، تلك الشخصية التي أشار إليها كتاب الله عز وجل بالإنسان الصالح، المُكرم.

وأرسل لأجل ذلك الرسل والرسالات لتبيان الخارطة النفسية التي توصلنا لذلك، وهذا ما قاله النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله) في غاية بعثته: "إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق"، فمن الالتفاتات الجميلة -التي قيلت- بخصوص معنى الإتمام؟ أن كل إنسان هو بفطرته يحمل القيم الأخلاقية فعلى سبيل المثال من يتجنب أذى الآخرين لأنه لا يحب أن يوقع نفسه في المشاكل، أو إنه مشغول ولا وقت عنده لخوض صراع فهذا نعم "إنسان خلوق" لكن ليس بمعنى الاخلاق الالهية بل الأخلاق الظرفية -إن صح التعبير-، وهذا النوع من الأخلاق لا تبني الإنسان ولا المجتمع بالصبغة إلهية.

لذا فمجيء النبي (صل الله عليه وآله) كان بهذا المعنى أي ليتمم هذا النوع من الأخلاق أي تصبح أخلاق الإنسان ذات "نية إلهية"، ويكون المقصد من وراء سلوكه الأخلاقي طلب مرضات الرب الذي يوحده، فهو لا يؤذي، لا يظلم لأن الله تعالى لا يحب المعتدين، ولا يحب الظالمين، وهكذا في بقية سلوكياته العامة.

فهناك فرق بين من تكون نيته في سلوك أخلاقي ما لأجل مرضاة الله تعالى، وبين من تكون سلوكياته بلا نية أو لأجل إرضاء نفسه، فالأولى فيها أجر في الآخرة، وأثر في الدنيا، أما الثانية فيها فقط  أثر وقتي على مستوى طيب العلاقات في الدنيا المبنية على المصالح الشخصية في كثير من الأحيان، بالنتيجة ليس فيها أثر على مستوى تكامل الإنسان الحقيقي، وبناءه على المدى البعيد بحيث يكون خلوق على كل حال، ففهم هذه الحقيقة جدا مهم، وبها تتغير نظرته تجاه الغاية من التخلق بالأخلاق الطيبة، إذ يتمكن الإنسان على أثر ذلك:

اولاً: إكتساب البصيرة في أهمية السعي والبحث لفتح نافذة القيم الحسنة في القلب، لتصبح أفعال جوارحه طيبة وصالحة، وعندئذ فإن نافذة الأخلاق الذميمة ستغلق ولن تجد فرصة لتحل في قلبه فيبتعد عن اللغو واللهو وكل فساد وكل سلوك غير طيب.

ثانياً: يكتسب الإرادة فلا يتخلى عن القيم الأخلاقية الإلهية، إذا تخلى عنها الأخرون وساروا خلافها، فحقيقة الإنسان بردود أفعاله، كما قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}(الاسراء:١٧)، فإذا عامل الأنسان الأخرين وفق قيمه الحَسنة فهو بذلك يحافظ على إنسانيته، ويحافظ على قيمة غيره كأنسان، أما إذا عاملهم وفق قيمهم - الذميمة منها التي تكون خلاف القيم الإلهية- فإنه سيخسر قيمته  كما قالت الآية {وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} فهي قالت (لها) وليس (للغير).

كذلك فإن ردة الفعل السيئة التي تقابل الفعل السيء كاشف عن شخصان لا ميزة لأحدهما عن الآخر بشيء!! بينما المطلوب أن تكون أفعال/ ردود أفعال الإنسان دائما فيها تميز... تميز كاشف عن إن صاحبها يحمل قيم الاسلام المحمدية الأصيلة، وبذلك فليتنافس المتنافسون.

ثالثا: في قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ...}[فصلت:34]، هنا يتبين لنا أيضا دور تمسك الإنسان بقيمه الالهية التي من خلالها تُبني علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، فالذي ينظر إلى الخالق الذي لا تستوي عنده ردود الأفعال، تجعله ينظر بمقياس رب السماء لا بمقياس الخلق فيبني وجوده على أن يكون من أهل الإحسان على كل حال ليكن عند ربه علي الشأن.

رابعاً: في قوله تعالى: {...ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...} [فصلت:34]، إشارة إلى إن الذي يسامح ويعفو ويتجاوز عن ما يصدر من غيره من سوء بقصد أو عن غير قصد، إنه من أهل الامتثال لأمر الله تعالى والطالبين لمرضاته، وليس لأنه ضعفاً كما يشاع له الآن!.

ففي ذلك إفشاء للسلام والمحبة في المجتمع، وراحة وتحصين للنفس من الهلاك، وحفظ للقلب من الأمراض المعنوية والمادية، وفتح باب لمن لا يحمل تلك القيم لينجذب لها ويتحلى بها، ويتخلى عن سلوكياته الخاطئة، فلا يوجد مربي لمن تخلى عن قيمه الحقة أكثر من أن يكون أمامه من تتجلى فيه تلك القيم، فعندما تريه جمالياتها وحسنها هو فطريا سيعود إليها، فكما يقال "إن النفوس جبلت على حب من يُحسن إليها"، فإن أحسنت للغير أحبك وأحب سلوكك سعى ليكون مثلك، فتكون بذلك داعيا إلى سبيل ربك، عاملا بأمره.

نعم لعل تطبيق ذلك صعب ويحتاج إلى مجاهدة وفيه مشقة، ولكن الأصعب من ذلك أن يترك الإنسان نفسه لهواها دون أن يقومها ويهذبها، ويوصلها لكمالها الذي لا يستحصل إلا بالدخول في سلسلة من الاختبارات مع مختلف الناس بكل توجهاتهم وميولاتهم ومبادئهم، ومع الأهل والأقرباء قبل الغرباء، فلابد أن يخرج منها محافظًا على قيمه الإلهية، ومساهمًا في جعلها ثقافة مجتمع.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق