التلاقح الثقافي: أداة مهمة لتوسيع الآفاق

يعرف التلاقح الثقافي (التثاقف) بأنه عملية اتخاذ بعض السمات الثقافية والأنماط الاجتماعية السائدة في مجتمع ما وزرعها في ثقافة أخرى عادة ما تك

يعرف التلاقح الثقافي (التثاقف) بأنه عملية اتخاذ بعض السمات الثقافية والأنماط الاجتماعية السائدة في مجتمع ما وزرعها في ثقافة أخرى عادة ما تكون مختلفة بعض الشيء عن سابقتها، مما يحدث تغيراً مرغوباً ينعكس على الثقافة في هذا المجتمع ولا سيما على أدبه مما يدعو إلى التجديد فيه، فمفهوم التلاقح يعطي بعداً إيجابياً يفيد منه المجتمعات، ويؤدي إلى نقل التجارب الشخصية للتعريف بالقيم والاتجاهات التي خضعت لها الشخصية في مجتمعها الخاص بها وإضافتها إلى معجم المتلقين للإفادة منها، وقد جاء هذا المفهوم ليلغي بعض المفاهيم السلبية التي ظهرت في عصرنا والتي تعنى في مجملها بإزاحة الحدود والحواجز بين الدول مما يحدث نوعاً من التحكم والسيطرة للدولة القوية على حساب الضعيفة تبدأ ببعدها السياسي والاقتصادي وتنتهي بالجوانب الاجتماعية والثقافية كما هو معروف بالعولمة على اختلاف أنواعها.

 فمجيء مثل هذه المفاهيم أعطت دافعاً إيجابياً لدى بعض الأفراد في الدول النامية لإبراز ثقافتهم من خلال النوع الأدبي الذي اشتهروا به مع الاطلاع على ثقافات أخرى تسهم في إنجاح العمل الأدبي وتكشف عن سعة إطلاع الأديب، ويشبه التلاقح الثقافي بعملية إخصاب الزهرة لإنتاج البذور، فهي بذلك سمة حضارية تكسب الأديب تنوعاً في وسائل إنتاجه، وتحثه على إنتاج قدر كبير من الآداب المتحققة بسعة اطلاعه وقراءاته الثقافية دون المساس بهويته أو أبعاد مجتمعه الذي ينتمي إليه .

 كذلك لم تكن الثقافة ذات تأويلات خارجة عن المألوف كما اليوم، فهي مصطلح يحمل دلالات عديدة من عادات وتقاليد، لغة، سمات وحضارات توالت عبر العصور وتركت الأثر على مرّ التاريخ، والمثقف بمعناه البسيط هو ذلك الإنسان العارف في أمور متنوعة من باب الفضول، المتفهّم لغيره والمتقبِّل للرأي الآخر بعيداً عن الجدال والسب والشتم، المُثقف الذي قد يجد في القراءة والاطلاع على ثقافات العالم ضالته، فتتسِّع مداركه ويتوهَّج عقله بالمعرفة والمعلومات الغريبة الجميلة، الجديدة، دون تجاهُلٍ للموروثات القديمة، إذ لا يعني بالضرورة أن يكون جامعياً يحمل شهادات لا تعد ولا تُحصى، فالثقافة ليست مرهونة بالكم بل بالكيف الذي تنظر به إلى العالم فالمثقف لا يُقاس بعدد الجامعات التي تخرّج منها، وإنما بالقيم التي ينادي بها، حينها يُعَّد ثرياً بعقله ومداركه.

أما في سياق العولمة والثورة التكنولوجية الحاصلة، أخذ المفهوم بُعداً آخر، إذ يتم الترويج لمفاهيم مغلوطة هدفها ترسيخ التبعية، وتكوين جيل متواكل، لا يبحث في التاريخ، ولا يطمح إلى صناعة مُستقبل أمتِّه، إذ أنَّ الموجة التكنولوجية الحديثة أخذت بالأفراد نحو استقبال ما يُقدّم لهم بغباء مُتناهي دون البحث في ماهيته، أهدافه القريبة والبعيدة المدى -حملة التثاقُف- الخاسر فيها جيل لا يعرف ثمن ما يملكه، وليس لديه الوقت للتعرّف على مقوّماته، يرى في ثقافة الآخر مخرجاً سهلاً من روتينه، لكنّه يجهل قيمة التلاقُح الثقافي، وأنّه كما يأخذ من الآخر، كان لِزاماً عليه أن يُعرّف بقيمه ومبادئه، فالحوار الحضاري يقُوم على مبدأ الأخذ والعطاء، التبادل والنقاش، ولن يكون بمنطق القبُول التام، فذاك نوع من التبعية العمياء، والتنصُّل من الخصوصية، وذاك لا يعني أنّك إنسان عام عالمي تتقبَّل كلّ شيء، بل أنت إنسان حُر له عقل يميز ما يحِّق له وما يجب عليه.

وبات يواجه الفرد منَّا اليوم صعوبات كثيرة من حيْث الأخذ بمعاني الكلمات والمصطلحات كما تعوّدنا على تأويلاتها البسيطة والمباشرة، وكما أخذنا الفضول للتنقيب عن معانيها في القواميس القديمة القابعة على الرفوف الخشبية العتيقة التي نحتفظ بها كذكرى سرمدية من بيوتنا القديمة، هكذا تعوّدنا بصغرنا البحث عن معنى الشيء قبل النقاش حوْل تفاصيله.                      

كثيراً ما نحلم بنوادي لتبادل الثقافات، للتعريف بما نملكه والكيفية التي تُمكِّننا من إيجاد ذواتِنا والتصالح مع أنفسنا، والمجتمع المحيط بنا، للأسف نحن نجهل التنوَّع الذي نشأنا فيه، لم نُفكِّر يوْما في التحاور مع جارِنا القادم من الشرق المعروف بعاداته وتقاليده، أو مع صديق صديقنا القادم من الغرب المعروف كذلك بثقافته واختلافاته، كيف لنا أن نلوم العالم على عدم فهمه لنا وتقبُّله لاختلافنا، ونحن نجهل أبناء وطننا، لم نُجرّب التعايش مع بعضنا البعض داخل رُقعة جغرافية واحدة، ونلهث إلى جغرافياتٍ أُخرى، نتسابق نحو المجهول، ولا ندري إن كنَّا في عُمق التيّار أو عكسه.

 كذلك لن ننجح في استيعاب حجم الاختلاف بين الثقافات في العالم، ما لم نحتوي تناقُضاتِنا، ولن ننجح في إيصال أفكارنا وقيمنا ما لم نتعرّف عليها نحن أوَّلاً، إذ كيْف لإنسان يجهل ذاته وما يدور داخِله من صراعات، أن يتقبّل مِزاجية الآخر ويتصافح معه دون تصادُم، فالمعرفة الحقيقية تبدأ من النفس، والجِهاد من أجل إصلاحها وتقبُّل سلبياتِها والعمل على تطوير إيجابياتِها، كذلك هو التبادل الثقافي القائم على تنوُّعٍ في المفاهيم والمسلّمات، فقبل أن تتهّم غيرك بجهله لك ونقده الدائم لسلبيات ثقافتِك، تعلّم منه على الأقل الذكاء في التعريف بما يفتخِر به، لا تشتكي من اختلافِك وتطرح سِلبياتِك أمام العالم ثمَّ تشتكي نُفوره، بل حاوِل التعريف بإيجابيات نمت داخِلك نتيجة نشأتِك الطبيعية داخِل مُجتمع يحمل كنوزاً من الثقافات والمعارِف، ومسؤوليتك هي التعريف بها وإيصالها بذات الجمال الذي فتحت عيْنيْك عليه، وإن مسّ ذلك تشويه فأنت المسؤول الأوَّل فنحن كالمرآة التي تعكس الظاهِر، أمّا الحُسن الذي بداخِلنا فيظهر من تصرُّفاتِنا وأخلاقنا، إذ لا يمكن أن نفهم مجتمعاً إلا بفهم ثقافته، كما لا يمكن أن نفهم ثقافة أي مجتمع إلا بفهم المجتمع ذاته، سواء كان ذلك في جوانبه الثابتة كالأديان والقيم الأخلاقية، أم في جوانبه المتطورة والمتغيرة كالإبداع والفن والأدب والإنتاج العلمي وغيرها من الأفعال الثقافية المتطورة والتي هي أسرع تغيّراً ومواكبةً للمرحلة التاريخية التي يمر بها المجتمع .

من هنا فإن تلاقح الأفكار وتفاعل الثقافات من السمات الأساسية لعالم الأفكار والثقافات بصرف النظر عن مصادرها ومنابعها العقدية والحضارية، لذلك فإنه من الضروري التفكير الجاد، في توفر منهجية معينة، لتنظيم علاقة الثقافات مع بعضها البعض، حتى يكون تفاعل الثقافات والأفكار مع بعضها تفاعل بناء وتطوير، لا مماحكة وسجال عقيم يقتل منابع الابداع، ومكامن التطوير في الثقافات الانسانية.

ولعل من الأبعاد الهامة في هذه المنهجية التي تربط الثقافات الانسانية مع بعضها، وتوفر لها أسباب التفاعل والمثاقفة، هو نمط ومنهجية الاقتباس بين الثقافات الانسانية.

لذا فإن تلاقح الثقافات سلوك ثقافي وحضاري وثقافة تراكمية مقبولة ولها دورها في ترسيخ مفاهيم إيجابية نحو السلام والاستقرار والعيش المشترك، والتلاقح يؤدي إلى إيجاد أرضية مشتركة وعالم هادئ ومجتمعات سليمة وواعية وخالية من العقد والمشاكل وتعددية ثقافية وربما تحسين الإنتاج والمنتج لقوله تعالى في سورة الحجرات (الآية 13) "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".

المصادر:
ـموقع ديوان العرب
-موقع الجزيرة
-موقع صوت العروبة
-موقع الرياض
-موقع الوطن
شارك الموضوع:

اضافة تعليق