دِحيَة.. باقٍ ويتمدد

شارك الموضوع:

يحكى أن رجلاً يدعى "دِحيَة" كان إذا جلس بين الرجال فكأنه العلم إذ يأخذ شكلاً بشريا!

نبتعد في كثيرٍ من الأحيان عن المفردات التي لا نفقه معانيها دون أدنى تجربة منا للبحث عنها، فالفضول البشري الطبيعي ينشئ غريزة المعرفة التي باتت تفتقد لدى الأغلبية فهم في عالم السرعة، ماحاجتهم لكتاب يحمل معان معقدة ولا يلبي رغبات النفس لا العقل.

فلو أردنا البحث عن كتاب أو رواية وربما مقالة عابرة، في بادئ الأمر ستجذبنا كُل كلمة تحدث الوجدان فهذا الشيء طبيعي لمن يبحث عن القراءة، وبعدها يرتدي زي المثقف ثم يتذوق القهوة لتكتمل صورة العارف بخياله.

الغريب بالأمر أن القراءة لدى الكثير من السطحيين هي مادة تجعلك مخولا للنطق بالحكم وبث المفاهيم ومن المحرج أن تكون قارئا معروفا ولا تعرف كُل شيء، ففي مفهوم المقربين أن مُلتهم الكتب يجب أن يكون قد أحاط علماً بكل الكون، وفي الحقيقة هذا حقهم فمن قرر تحجيم عقله كيف سيفهم أن لكل ذي اختصاص اختصاصه والقراءة هي تزيد من المعرفة لكن لا تحيط بها.

يحكى أن رجلاً يدعى "دِحيَة"  كان إذا جلس بين الرجال فكأنه العلم إذ يأخذ شكلاً بشريا! لاتسأله عن شيء إلا أجابك عرف أم لم يعرف، فضاق به جلاسه ذرعا واتفقوا يوما أن يباغتوه بسؤال ليكشفوا عوار جهله، فتركوه مرة مسترسلا في كلامه وسأله أحدهم: ما اسم الذئب الذي أكل يوسف؟

فأجاب بسرعة: اسمه "جمجائيل"!

فقالوا له: ولكن الذئب لم يأكل يوسف.

فقال: إذا هذا هو اسم الذئب الذي لم يأكل يوسف.

إن الأشخاص الذين على هيئة "دحية" لم يخل منهم زماننا قط وإن كانوا في الأزمان الغابرة يعدون على الأصابع فهذا زمن" الدحيات".. هذه إحدى عبارات الكاتب أدهم شرقاوي حينما أراد إخبارنا أن البعض إن كان الحديث عن النحو تحسبهم سيبويه قد بعث من قبره، ولو نسج الحديث في علم الاجتماع وكأنهم ابن خلدون ولو جاء النقد في سيرة الكلام فالنابغة الذبياني وقد بسطوا له مجلساً.

فحقا اليوم مجرد معلن قد زاد عدد متابعينه الألف تجده يتكلم بالطب ويصف لك شتى الأدوية وكأن كليات الطب بنيت للهو والسنين فيها تضيع عبثا وأنت بكل سهولة يمكنك أن تأخذ وصفتك من المعلنة المثالية صاحبة القوام الرشيق التي قد أجرت عملية نحت مؤخرا وهي اليوم تعلن عن المنحف المثالي.

ومن هذه القائمة الكيمياوية تنتقل للأعشاب وخلطات العارفات، ومن ثم لزيت القنفذ وشوك النباتات وما شابه، فهنا أيضا لا يمكننا التكذيب وهل هناك أحد أعلم من السابقين بهذه الأشياء، حتما الطب على حافة الانهيار طالما العلاج أصبح إما على منصة الكترونية أو ورقة مطوية. الحقيقة لا تقف عند الطب فهذا هيّن لو كان هنا ولكنها تمتد إلى جل حياتنا، والأسوء هو أن كل واحد بنا أصبح فقيها مجتهدا ومرجعا لاغبار عليه.

فزميلتي تخبرني عن الحرام الذي لم يذكر بالقرآن لكنها سمعته من أحد البرامج الدينية وهذا المقدم حتما يقنعها ومؤكد أنه لم يخطئ ولو جادلت إما أن أكون خارجة عن الدين أو أنني أكذّب العلماء الذين بعضهم يعاني من عقدة الافتاء متناسين أن قول كلمة حرام بحد ذاتها هي من الكبائر، فالتحليل والتحريم حق خالص لله وحده، قال تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم إنّ السّمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولا}.

(لا تقف) يعني: لا تتّبع ما ليس لك به علم، وهذا النّهي يشمل كلّ شيء، فكلّ شيء ليس لك به علم فلا تتّبعه، أعرض عنه ولا تتكلّم فيه لأنّك على خطر، وهذا إذا كان بالنّسبة لما تنسبه إلى الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وكان محرّمًا من أشدّ المحرّمات كتفسير الآية بما تهواه.

وكذلك إذا وقفت بما ليس لك به علم بالنّسبة للآدميّين؛ لأنّ النّاس إذا كثر فيهم القيل والقال فإنّهم يبنون من الكلمة كلمات ولا يتحرّزون في النّقل، ولهذا يسمع الإنسان أنّه ينقل عنه أو عن غيره ما ليس بصحيح إطلاقاً، فمن العلم أن لا تتكلم فيما لا تعلم بكلام من يعلم, فحسبك جهلاً من عقلك أن تنطق بما لا تفهم فليس عيبا أن يجهل الانسان بعض الأشياء، ولقد أحسن الشاعر حينما قال:

ترى المرء يعجبه أن يقول     وأسلم للمرء أن لا يقولا

فامسك عليك فضول الكلام    فإن لكل كلام فضولا.

لو كان المرء متاح له كل شيء ستجد أنه يجادلك من أول بدئ الخليقة وحتى الطاقة النووية وربما سيجادلك بنفسك ويشكك بحقيقة وجودك، كما هو الحال مع الأفكار أيضا حينما نطرحها علينا التأكد والأفضل أن نترك لكل ذي اختصاص اختصاصه إن كنا نجهل فيها، فلن يتغير مسار الكون إن لم تبث به علمك ولن يموت أحدا إن لم تعطه وصفتك السحرية، هناك من هو يعلم بالأشياء أكثر منك، يكفيك أن تقدم نفسك بما تعرفه فيزيد احترامك وهيبتك وتكن محبوبا بين الناس بما أنت عليه.

فليست الاحاطة دائما هي الأساس، فالتركيز على الكل يجعل رونق الجزء يموت فيك فتفقد الاثنين مؤخرا، فعلى العموم البشر مجرد محطات نمر بها ولكن الأهم من ذلك هو المحطة النهائية التي يجب أن نتواجد فيها، "فلم يكن أبداً من شروط السير إلى الله أَن تكون في حالة طهر ملائكية، سر إليه بأثقال طينك، فهو يحب قدومك إليه ولو حبواً.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

1 تعليق

  1. أبو علي السيد 2020-04-17

    بسمه تعالى
    ألف شكر للكاتب المحترم
    جميل جداً هذا الطرح وبهذا الأسلوب.. بارك الله بكم وجزاكم الله خير الجزاء..
    واتمنى أن تُكثروا وتزيدوا من هذه المقالات لأن العالم باضطراب في الأفكار ومتبلبل في الرؤى..
    أبارك لكم وأشد على أيديكم وأدعو الله أن يسددكم

اضافة تعليق