السلام والتنمية في إطار الإسلام

شارك الموضوع:

يهدف اليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية، من خلال ربط العلم على نحو أوثق مع المجتمع

اليوم العاشر من تشرين الثاني/نوفمبر، إنه اليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية، بسبب الضوء الذي يسلطه على الدور الهام الذي يؤديه العلم في المجتمع والحاجة إلى إشراك جمهور أوسع في المناقشات المتعلقة بالقضايا العلمية الجديدة. كما إن هذا اليوم يؤكد على أهمية العلم في حياتنا اليومية.

ويهدف اليوم العالمي للعلوم من أجل السلام والتنمية، من خلال ربط العلم على نحو أوثق مع المجتمع، إلى ضمان اطلاع المواطنين على التطورات في مجال العلم. كما أنه يؤكد على الدور الذي يقوم به العلماء في توسيع فهمنا لهذا الكوكب الهائل والملقب ببيتنا الكبير وفي جعل مجتمعاتنا أكثر استدامة.

إنّ الإسلام والتنمية لكلّ منهما مفهوم واسع له دلالات واسعة؛ لذلك من الصعب الحديث عن العلاقة بينهما على نحوٍ يسير. والإسلام ليس نظرية من نظريات التنمية، ويُحاكم بما تُحاكم به هذه النظريات، وإنّما يؤثِّر الإسلام تأثيراً واضحاً على عملية التنمية.. ففي إطار العلاقة بين الإسلام والتنمية يحقّق السلام للكثير من المزايا لعملية التنمية؛ فهو يوفِّر الإطار المرجعي لعلاقة الإنسان بالجماعة والقانون والأخلاق.

 السلام والتنمية تعتبر كعلم من العلوم السياسية والدبلوماسية في الدارسة الاجتماعية والفلسفية، فحالة السلام تتقدّم على التنمية في كلِّ شيء، فأوّلاً استتاب السلام يعمّ في جميع ربوع العالم ومن بعد تكون التنمية والتي يجب أن تعمّ، فالتنمية يجب أن تشمل جميع مرافق الحياة دون فرز حتى تكون شاملة وكاملة بعيدة عن الآحادية. 

إنّ قضية السلام هي قضية إنسانية ودينية ووطنية من الدرجة الأولى، فقد أكدت الشرائع السماوية على قضية واعتبرتها أساساً لخدمة الإنسان والارتقاء به، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) (البقرة/ 208). 

إنّ التوعية بالاتفاقية ونشر ثقافة السلام وحشد الطاقات، من أهم المهام التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني، ويكون التنافس في برامج ثقافة السلام وهو برنامج الوحدة.كما إنّ السلام أحد اسم الله الحسنى، والسلام مبدأ من المبادئ التي عمّق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين، ولفظ الإسلام مأخوذ من المادّة السلام، لأنّ السلام والإسلام يلتقيان في توفير الطمأنينة والأمن والسكينة، فجعل الله تحيّة المسلمين بهذا اللفظ، للإشعار بأنّ دينهم السلام والأمان، وهم أهل السلم ومحبو السلام، قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/ 107)، وقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله جعل السلام تحيّة لأُمّتنا، وأمناً لأهل ذمتنا».

 وتحيّة الله للمؤمنين في الجنّة تحيّة السلام، قال الله تعالى: (تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) (الأحزاب/ 44)، (وَاللهُ يَدْعُو إلى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (يونس/ 25)، ويقول سبحانه وتعالى: (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (الأنفال/ 61)، فالإسلام حثّ على العلاقات بين المسلمين وغيرهم، وهي علاقة تعارف وتعاون وبرّ وعدل، يقول الله تعالى في التعارف المفضي إلى التعاون: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات/ 13). 

كما وردت كلمة السلام في معظم النُّظم والاتفاقيات التي نظّمت العلاقات الدولية، والتفاهمات الثنائية بين الحكومات، ومن هنا فإنّ السلام هو القاعدة الأساسية، والدعامة القوية التي تمكن الإنسان من أن يعيش في خير ورفاهية وطمأنينة، ويساعد الإنسان والمجتمع البشري للعيش في بيئة صالحة قادرة على خلق الازدهار الثقافي، والحوار الديني والفهم السياسي على نُسق إنساني يتسم بالرقي والتوازن، وفي إطار مبني على الاحترام المتبادل والحوار البناء المتكافئ. 

لاشكّ أنّ التنمية في ظل السلام غاية المجتمعات كافة، من أجل تحقيق الاكتفاء لشعوبها، وسعياً لمستوى حياتي يتيح العيش بكرامة لكلّ فرد من أفراد المجتمع، دون اللجوء إلى ذل الحاجة والطلب داخل المجتمع، أو الهجرة الاختيارية أو الإجبارية خارج المجتمع. ومن هنا، فإنّ تنمية المجتمع واستغلال موارده بشكل اقتصادي فاعل، دون إسراف وإهدار، لهو الهدف الأسمى لأية بلد، يملك رؤية إستراتيجية واضحة الهدف والمقصد.

حيث إنّ تحقيق سلام دائم على وجه الأرض لا يمكن تصوّره دون علاج للمشاكل المعقّدة المتعلّقة بالتّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والتي تعرقل تقدّم المجتمعات المعاصرة، وعلى ضوء تداخل العلاقات الإنسانية على المستوى الجسدي والنفسي الذي تحقق بوجود شبكة معقّدة من الاتصالات والمواصلات العالميّة  لا يمكن اعتبار السّلام مجرّد حالة غياب للنزاعات في العالم بينما الملايين من البشر يموتون سنويًا من الجوع والمرض والفقر.

لقد قيل وكُتب الكثير عن التّنمية والطريقة المُثلى لتحقيقها-من الأسفل إلى الأعلى ابتداءً من القاعدة وبمشاركة الجميع في عملية بناء نوعية مُرضِية من الحياة. إنّ من المتّفق عليه بشكل عام اليوم هو أنّ التّنمية يجب أن تشمل أولئك الذين يعانون بسبب نقص الغذاء والماء والنظافة والإسكان ...إلخ، في اتّخاذ القرار والعمل، وإلاّ فإن فعالية ودرجة نجاح أيّة برامج للتنمية ستبوء بالفشل.

"إنّ الرؤية النهائية المطاف هي خلق حضارة عالميّة ومجمع عالمي يوحّد كافّة الشّعوب كأعضاء ذوي سيادة، ويصون الحرّية الشخصيّة ومبادرات أعضائه بطريقة عادلة ومتساوية. فالتّنمية عملية فرديّة ومُجتمعيّة مزدوجة وداعمة لبعضها البعض، ويتشكل من خلالها المجتمع بتأثير أفراده، وبدوره يؤثر المجتمع في شخصيّة الفرد بطريقة تسهل إدراك قابليّاته وإمكاناته."

إنّ حياة الفرد ونوعيتها تتطلّب من وجهة نظرنا ما هو أكثر من تلبيةٍ للاحتياجات الماديّة. فيجب الأخذ بعين الاعتبار الهدف الكليّ من حياة الفرد حتى يتمّ تحررّه من الاحتياجات الدّاخليّة والخارجيّة. وعندئذ فقط يمكن القول أنّ النّاس يعيشون في حالة من السّلام. إذا ما توفرت لدينا حالة اللا حرب (ليس سلامًا حقيقيًا، ولكن لا يوجد حرب)، مع نزع سلاح شامل وتام، وتحرير مليارات الدولارات لاستخدامها في التّنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، سيبقى السؤال ملحًّا بخصوص نوعيّة التغييرات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي ستخدم على أفضل وجه تطلّعات البشريّة لتحقيق حالات سلام شخصيّ واجتماعي يمكن أن تتطوّر لتصبح حضارة عالميّة غنية بفرص مستمرّة للتنمية الخلّاقة للشخصيّة الإنسانيّة وللهياكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة.

ويعتبر الدّين هو الأداة الرئيسية لتحقيق النّظام في العالم والهدوء لسكّانه". وفي خضم البحث عن السلام وعن فهمٍ لعلاقته المتشابكة بالتّنمية، فهناك بالتأكيد حاجة لإعادة النظر في طبيعة الدّين وفي القيم الدينيّة بعيدًا عن التعصب الموجود في المجتمع العلماني

وتعتمد التّنمية الفاعلة على القيم الأخلاقيّة والروحانيّة ابتداءً من الفرد وامتدادًا إلى المجتمع. وحتى من خلال ملاحظة سريعة يتّضح أنّ الجشع والأنانيّة والكراهيّة وعدم الأمانة وغياب العدالة، على المستوى الفردي والاجتماعي، تمثل عكس ما هو المطلوب لتحقيق الوحدة والتفاهم، اللذين لا يمكن تحقيق التقدّم بدونهما. وربما تكون مجرّد عبارة مكرّرة القول بأنّ المحبّة والعدل والثّقة والأمانة وغيرها من القيم الأخلاقيّة الروحانية، هي قيم أساسيّة لحياتنا التي يغلب عليها الجانب العلماني من أجل النّجاح في إحداث التغييرات الضرورية للاندماج الشخصيّ والاجتماعيّ في الحياة المتشابكة المعقدة لهذا الكوكب. ولكنّ عندما يتم توجيه هذه القيم في حياة جامعة تسير وفق نظام إداري يعزّز انعكاس هذه الصفات في العلاقات الاجتماعيّة، فإنّ النتيجة تكون إيجابية بشكل ملحوظ.

إضافة إلى ذلك، فإنّ التّنمية، كمتطلب لتحقيق السّلام العالميّ وتطور مجتمع عالميّ يدعم ويحمي سعادة ورفاه البشريّة جمعاء، يجب أن تقوم على إدراك حقيقة أنّ كلّ شخص هو جزء لا يتجزأ من المجموع الكلّي للبشرية. وبالتّالي، يجب التعبير عن ترابط وتداخل العلاقات البشريّة هذه في حياة غنية بالأعمال المكرّسة لبناء مجتمع عالميّ تتمّ فيه التلبية ليس فقط للاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية للجنس البشري، ولكن أيضًا التلبية الكاملة لتطلعاته الروحانيّة والأخلاقيّة والثقافيّة.

إنّه ممّا لا شكّ فيه أنّ السّلام والتّنمية هما مسؤولية الإنسانية جمعاء، "إنّ  للإنسان مكانة عظيمة. وعظيمة يجب أن تكون مساعيه أيضًا لإصلاح العالم وتهذيب الأمم... ولو قُدّر للإنسان أن يعرف عظمة مقامه وسموّ قدره فلن يظهر منه سوى الصّفات الحميدة والأعمال الطاهرة والسلوك اللائق الممدوح".

وكذلك:

"شرف الإنسان وفضله يتمثّلان في هذا، أنه ومن بين جموع العالم يكون هو مصدر كلّ خير اجتماعيّ. هل من فضلٍ أعظم من هذا، أن يجد الإنسان، بالتأمل في داخله، أنّه بفضل الله أصبح سبب سلام ورفاه وسعادة وخير إخوانه البشر؟ يا للإنسان من عظمة ويا له من شرف المقام إذا ما قام لأداء مسؤولياته...فالسعادة الكبرى تكون له...إذا ما امتطى الرِكاب مسرعًا في مساعيه في مضمار الحضارة والعدالة."

مع أنه أُعيد النظر في الدّين في يومنا هذا، لكن سيتّضح لنا بأنّه جوهر تربية الإنسان وتطوره، والمعرفة والقيم التي عملت عبر التاريخ على توضيح الهدف الرئيس للإنسان أي معرفة الله وعبادته، ومواصلة السعي لحمل حضارة عالمية دائمة التقدّم وكشف الهوية الحقيقيّة للإنسان والذي بواسطته يعبر من خلال علاقته بالخالق، وعن توجّه يتّسم بالمحبّة والخدمة للبشرية جمعاء. وبذلك، فإنّ الدّين، وبالاتّفاق مع العلم، يقدّم لكلّ إنسان فرصة ليلعب دوره في دعم التّنمية والسلام على الكوكب. وإذا ما تحرّر من الجمود العقائدي والخرافات والعوائق الأخرى التي ابتدعها الإنسان، يمكن رؤية الدّين كعنصر مطابق مع العلم، وليس غير متوافق معه. 

المصادر:
البلاغ
الجامعة البهائية العالمية
المركز الدولي للعدالة الانتقالية
موضوع
شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق