آفة العُجُب في فكر الفقيه الشيرازي

شارك الموضوع:

عن آفة العُجب وآثاره تحدث سماحة السيد الراحل محمد رضا الشيرازي رحمه الله مبتدئاً بحديث سيد الخلق..

لطفُ إلهي، عطاء غير محدود، هكذا يُنعم تعالى على عباده حتى ينسى البعض نفسه بغفلته وتصوره بأن له القدرة والمُلك فيظن أن له السلطان، ويصيبه العُجب بنفسه حتى يبطش غافلاً عن المالك العظيم ذو السلطان فيتيه ويضيع في خضم دنيا وأودية النيران..

عن آفة العُجب وآثاره تحدث سماحة السيد الراحل محمد رضا الشيرازي رحمه الله مبتدئاً بحديث سيد الخلق..

روي عن النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "ثلاثٌ مهلكات: شحٌّ مطاع وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.."

ما هو مفهوم الإعجاب بالنفس؟ وما هو معنى العجب؟

العجب معناه تعظيم الذات لواجديتها صفة من صفات الكمال، إذا كان لأحدهم صفة من صفات الكمال فاستعظم ذاته لواجديتها لهذه الصفة هذا الفرد يقال عنه إنه معجب بذاته، ما فرق أن تكون هذه الصفة من الصفات الحقيقية الواقعية أو تكون صفة من الصفات الاعتبارية.

أحدهم يملك المال، الملكية صفة من الصفات الاعتبارية، يستعظم ذاته لأنه واجد للمال، هذا يطلق عليه العجب وفرعون هذا الطاغية المتكبر.. فرعون كان رجل عادي مثل بقية الناس جاء إلى مصر من بلد آخر مثل البقية وكان يغسل الموتى كما يقولون ولكن هذه الروح الخبيثة والشريرة كانت في باطنه، ولم تكن له مظهر، وفي يوم من الأيام الله أعطاه القدرة وأعطاه السلطة وأعطاه المكنة، هذه الروحية التي كانت لديه وهو غسال للأموات ظهرت، أصابه بالعُجب هذا الكمال الموهون، والكمال الاعتباري والكمال المتخيّل أصابه بالعجب والكبرياء والغرور إلى أن انتهى به المقام أن يقول أنا ربكم الأعلى، أحدهم كان فوق عرش مصر يقول: أنا ربكم الأعلى، وآخر في بيته يكون فرعوناً فيكون طاغية فيقول لزوجته وأولاده: أنا ربكم الأعلى. الروحية نفس الروحية ولكن المظاهر تختلف، يملك المال فيقول أنا ربكم الأعلى، أو يملك العلم، العلم صفة حقيقية وليست صفة اعتبارية، الملكية صفة اعتبارية مُتخيلة ولكن العلم صفة حقيقية واجديتها واجدية حقيقية، كشخص يُعجب بذاته لأنه عالم، هذه حالة شجرة القلب ولكن تظهر لها مظاهر، هذه الصفات النفسية لها مظاهر تظهر في الكلمة التي يقولها، في النظرة التي ينظرها، وفي الخطوة التي يخطوها، وفي البطشة التي يبطشها، وفي كل شيء..

أوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى أتعلم لماذا اصطفيتك بكلامي، أحدهم الله تعالى يختاره كي يُكلمه هذا مقام عظيم جداً ودرجة عظيمة جداً عند الله تعالى، أتدري لِما اصطفيتك بكلامي دون خلقي، لماذا؟ لماذا موسى كليم الله؟، ملايين البشر لعلهم كانوا في ذلك اليوم ولكن الله ينتخب واحد منهم لكي يكون كليمه وخليفته وصفيه ونجيه، أتدري لما اصطفيتك بكلامي دون خلقي دون بقية الخلق الملايين والمليارات، كم كانوا في ذلك الوقت الله أعلم، قال: يا رب ولمَ ذلك؟ فأوحى الله سبحانه وتعالى إليه إني قلّبت عبادي ظهراً لبطن ونظرتُ إلى جميع الخلق واختبرت إلى جميع الخلق، وما هي الصفة التي كانت مميزة بموسى، ليس بموسى فقط بل بكل أنبياء الله وفي كل أولياء الله وفي الأئمة صلوات الله عليهم كانت عندهم هذه الحالة فلم أجد فيهم أحداً أذلّ نفساً لي منك، الأولياء يشعرون بالذلة أمام الله وبالحقارة أمام الله وبالتواضع أمام الله وبالضعف أمام الله وحتى مع خلق الله ليس لديهم حالة تكبر أو حالة تجبر أو حالة تعالي على الآخرين، هذا فقير، وهذا مسكين، وهذا مستضعف {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} جبار في كلامه، وجبار في موقفه، وجبار في حركته، ماهذا العمل وما هذا الموقف، لماذا؟ لأنك تملك قليلاً من العلم أو لأنك تملك قليلاً من المال، حقيقة هذه حالات طغيان النفس وحالات العُجب وحالات الكبرياء وحالات الغرور، أما أولياء الله نفوسهم ذليلة، بذلة يتعاملون، بذلة النفس، لا بذلة الموقف، لاحظوا الآية الكريمة {أعزة على الكافرين} هذا موقفهم تجاه الكافرين، أما مع المؤمنين ماذا؟ {أذلة على المؤمنين}.

ما هو أثر العجب؟

عندما يصبح أحداً معجب بذاته وبعبادته وبعمله وبعلمه ما هو أثره؟ له آثار كبيرة، المقام يضيق عنها ولكن من آثاره منع الازدياد، أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه يُروى عنه أنه قال: "الإعجاب يمنع الازدياد" والإنسان ما الذي يُحركه؟، الشعور بالقصور، والشعور بالنقص والشعور بالفقر والشعور بالفاقة، هذه هي محركات الإنسان عادة، العُجب أو الإعجاب يمنع الازدياد، يتوقف إذا لم يتراجع يوماً بعد يوم، إذا أُعجب شخص بعلمه فليس له محرك بعد ذلك في طلب العلم، ليس هنالك داعي للحركة في هذا الطريق طريق التكامل، إذا شخص أعجب بعبادته يتوقف عند حد معين، ليس هنالك داعي بعد ذلك، إذا شخص أعجب بمشاريعه الخيرية يتوقف عند هذا الحد..

العلامة الحلي رحمة الله عليه، هذا العالم يؤلف ليس كتاب وكتابين وثلاثة كتب بل يؤلف ألف كتاب، أتصور لن تجدوا في التاريخ إلا أفراد على أصابع اليد يؤلفون ألف كتاب هذا رقم خيالي، أي كتب حقيقية، قبل مدة ما يُقارب 40 سنة أو 50 سنة كما نقل، أرادوا طبع إحدى كتبه كان في مسألة رياضية في كتاب الإرث فعرضوها على العلماء الذين كانوا هناك فلم يعرفوا حل هذه المعادلة الرياضية التي كتبها قبل حوالي 800 عام. فعرضوها على أساتذة الرياضيات في جامعة بغداد فعجزوا عن حل هذه المعادلة، حتى وهو فوق ظهر الدابة يذهب من بلد إلى بلد ثاني لحضور لمجلس عُقد أُضطر إليه، فحتى وهو فوق ظهر الدابة يكتب وعندما يرجع يقول له ولده فخر المحققين ما الذي عملته في هذه السفرة؟ فيُخرج من جيبه كتاباً ويقول ألفت هذا الكتاب وهو كتاب تبصرة المتعلمين الذي بقي من قبل 700 أو 800 عام إلى هذا اليوم يُدرس في الحوزات العلمية (تبصرة المتعلمين) في العراق كان يدرس وفي إيران كان يُدرس..

السيد البروجردي رحمة الله عليه نقل أنه في أخريات أيام حياته كان متأثر كثيراً ومتضايق فسأله البعض من خواصه أنه لماذا أنت متضايق؟ قال: في الواقع أنا أشعر أن عمري قد دنا وأجلي قد دنا وأنا على وشك الموت، أذهب ولم أقدم لآخرتي شيء، انظر هذا شعور المؤمن الحقيقي، لم أقدم لآخرتي شيئاً فقالوا له: أليست هذه المساجد، عملت كذا وكذا وكذا، قال فأين القبول، أنا عملت ولكن الله هل يقبل أعمالنا أو لا يقبل أعمالنا هنالك قبول، صلواتنا التي صليناها هل الله قبلها أم لم يقبلها، واجدة لشرائط الصحة وواجدة لشرائط القبول، ما قيمة هذه الأعمال أمام عظمة الله وأمام نعم الله سبحانه وتعالى قال: فأين القبول، هل قبلت أعمالنا أم لم تقبل، العبد يجب أن يكون لديه أمل بلطف الله ورحمة الله ويكون عنده رجاء، هذه من صفات المؤمن ولكن يجب أن يركض ركضاً إلى الله، {يا أيها الإنسان إنك كادح} مهما عمل الإنسان لأجل الله فهو قليل، أن تقول نفس يا حسرة على ما فرطت في جنب الله، هذا كله نحن نقوله يوم القيامة كلنا نقوله بعد الموت ولكن الآن في الواقع لا نفهم حجبت عنا تلك الأبعاد وتلك المقاييس.

الشيخ الأنصاري رحمة الله تعالى عليه، لم ينتفع من دنياه شيئاً ولم يبني لنفسه بيتاً، ليس هنالك مانع أن يبني لنفسه بيتاً {قل من حرم زينة الله}، ولكن الشيخ الأنصاري عاش فقيراً ومات فقيراً، قال لا أحب أن اسمي يُمحى من ديوان الفقراء، أُحب أن أظل فقيراً إلى النهاية لم يستفد من دنياه شيئاً مع هذه المسئولية الضخمة، قال شيخنا ماذا عملت، لم أفعل شيئاً وإنما مثلي مثل الحمالين بين النجف وكربلاء، هنالك حمالين لهم دواب تعطوه البضاعة في النجف وتقولون له خذ هذه البضاعة إلى كربلاء أو من كربلاء للنجف، هل نظرتم لأحد يسرق هذه البضاعة؟ لا، أنا مثلي مثل هؤلاء الحمالين، الله أعطاني مال وقال أعطيه لأهله، أنا أعطيته لأهله، لم أفعل شيئاً، حقيقة هذا الشعور ليس تصنع وليس كبر، (قل لا تمنوا علي إسلامكم الله يمن عليكم أن هداكم) لله العزة، الله إذا كان يقول أعطي كل أموالك لأجلي كان له الحق في ذلك، الله أمكنا على هذا العمل وأعطى كل شيء..

هذه الحالة يجب أن تكون في المؤمن، في كل شيء، في العبادة والعمل وفي الخدمة وفي التأليف وفي خدمة المحتاجين وفي قضاء حوائج الناس، في الدعاء نقرأ: ولا تخرجني من التقصير، دائماً يشعر بالتقصير وبالانكسار، ويشعر أنه مطلوب وأنه يجب أن يكدح إلى يوم يلقى ربه فيلقى ربه وعينه قريرة فيدخله الله في رحمته مع الصالحين.

من محاضرات سماحة السيد محمد رضا الشيرازي قدس سره
شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق