المرجع الشيرازي في التجمع النسوي السنوي: كن على عمرك أشحّ منك على دينارك

1026 2019-05-25

كالسنوات السابقة، وبمناسبة شهر المغفرة والرحمة، شهد بيت المرجعية في مدينة قم المقدّسة، حضور المئات من النساء من مختلف المستويات، في مساء يوم الأحد الثالث عشر من شهر رمضان العظيم 1440 للهجرة، 19/5/2019، واستمعن إلى الكلمة القيّمة للمرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، وكان جزء منها:

وصايا قيّمة

لقد أوصى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بوصايا لأبي ذر رضوان الله تعالى عليه، وهذه الوصايا ليست خاصّة بأبي ذر فحسب بل هي للجميع. فكلّ شخص يطلب السعادة في الدنيا والآخرة، عليه العمل بهذه الوصايا.

احرص على عمرك

كان مما أوصى به النبيّ الأعظم صلى الله عليه وآله لأبي ذر، هو: يا أبا ذر كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك. وإذا أردنا ببيان المعنى اللفظي لهذه العبارة فمعناها هو: كما انّ الإنسان لا ينفق درهمه وديناره في مواضع لا فائدة منها أو لا قيمة فيها فعليه أيضاً أن يكون حريصاً بالنسبة إلى عمره.

لا للتفريط بالعمر

في وصيّته الآنفة الذكر أكّد النبي صلى الله عليه وآله على سعادتنا في الدنيا والآخرة بأن يكون تعاملنا مع السعادة كتعاملنا مع أمورنا الدنيويّة التي تكون بالدرهم والدينار. فأشار صلى الله عليه وآله إلى العمر الذي ينقضي وإلى الليالي والأيام في هذا الشهر، وفي هذه السنة وكذلك الساعات والدقائق التي نمضيها، ليقول لنا أنّها كلّها ذات أهمية وقيمة كبيرة، أكبر وأهمّ من الدينار والدرهم. فكما نحن لسنا على استعداد أو لا نقبل بأن نشتري بضاعة أغلى من ثمنها وسعرها أو نبيع أخرى بأقلّ من ثمنها وسعرها، فيجب أن نكون كذلك بالنسبة للعمر، أي لا نبيعه بقيمة رخيصة، فالعمر يمرّ والساعات تنقضي والليالي تنصرم وكذلك الشهور والأسابيع تنقضي، فيجب أن يسأل الإنسان نفسه ماذا حصّل مقابل هذا العمر الذي قضاه، هل باعه رخيصاً؟.

العمر أغلى من الدينار والدرهم

لقد عبّر النبي صلى الله عليه وآله بكلمة (شّحّ) وهذه قمّة البلاغة. فالشّح في اللغة العربية بمعنى البُخل، وهو شيء منبوذ وسيّئ كما عبّر القرآن الكريم (ومن يوق شحّ نفسه). وقد عبّر النبي صلى الله عليه وآله بالبخل لكي نكون على عمرنا أبخل من الدرهم والدينار. فيجب أن يكون الإنسان بخيلاً وحريصاً على عمره، وهذه فضيلة.

أوصي الشباب والشابّات والنساء المحترمات بأن يهتمن بلحظات عمرهنّ وبمستقبلهنّ كما يهتمن بمستقبل دنياهنّ. وعليهنّ أن لا يقصّرن في هذا المجال، وأرجو ألاّ يسبقهنّ غيرهنّ في نيل الموفقية. فعليهنّ أن يسعين إلى المزيد من التوفيق في هذا المجال، وهذا بحاجة إلى أمرين مهمين. وقبل أن أذكر ذلك، أقول على سبيل المثال:

حاجة الروح أهمّ من حاجة البدن

يحتاج كلّ إنسان يومياً إلى الطعام، ولذلك تجد كل إنسان وفي كل يوم يداوم على الأكل، طيلة الأشهر والسنوات، والسبب هو لأن الجسد يحتاج إلى الطعام. ولكن أليس الروح بحاجة إلى الطعام أكثر من الجسد أيضاً؟ فالروح يحيط بها ذئبين عظيمين الأول هو الشيطان والثاني هي النفس الأمّارة بالسوء التي هي في داخل الإنسان (أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك) كما ورد في الرواية. فإذا لم يكن الإنسان بصحّة جيّدة فسيتمكّن الذئبان بأن ينهشاه. وكما أنّ الإنسان يحتاج في كل يوم إلى طعام، كذلك الإنسان يحتاج إلى الموعظة في كلّ يوم وفي كلّ ساعة.

امنع نفوذ الشيطان

في مضمون رواية عن المعصوم صلوات الله عليه أنّ الإنسان إذا أغلق باب داره لما استطاع السارق أن يدخل بيته، أما إذا لم يغلق الباب وقصّر في ذلك فإنّ السارق يستطيع الدخول. وكذلك أنّنا إذا تركنا باب النفس مفتوحاً فإنّ الشيطان كالسارق يأتي إلى داخل الإنسان، لكنه إذا أغلق الإنسان الباب لما استطاع الشيطان أن يصل إلى عقل الإنسان وروحه. فقد ورد في الرواية عبارة أغلق بابك، إنّ الشيطان لا يستطيع أن يفتح باباً، فإذا أغلقنا الأبواب أمام الشيطان فإنّ الأخير ليس لديه مفتاح للدخول. بمعنى أنّنا لو أغلقنا قلوبنا وعقولنا بوجه الشيطان لما استطاع الدخول إليها. ولكن إذا كان الباب مفتوحاً ولو بشكل جزئي فإنّ الشيطان يدخل من ذلك المكان.

فيم تقضي عمرك؟

بعض الناس، يقضي عمره في انتخاب واختيار كذا من الطعام، ويأكل في إفطاره فلان النوع من الطعام. فلماذا كلّ هذا الاهتمام؟ وما هو الفرق بين كذا الطعام وغيره؟ فعلى المرء أن لا يكون مُقيّداً بمثل هذه الأمور وأن لا يتلف أعصابه إذا لم يحصل على الطعام الذي يريده، إلاّ إذا كان هذا الطعام من أجل العلاج.

المهم هو: في أي شيء يقضي الإنسان عمره؟ وأين يكون للعمر قيمة أكبر؟ وأين يصرف الإنسان عمره؟ هل يقضيه في الدعاء أم في الصلاة أم في الزيارات أم في صلة الأرحام وبرّ الوالدين؟ كلّ هذه الأمور جيّدة وذات قيمة ولكن حتى هذه الأمور القيّمة لها درجات أيضاً.

أمران مهمّان: هناك أمران في غاية الأهمية حتى لو نذكرها ألف مرّة، ومثلهما كمثل الإنسان الذي تكون بنيته ضعيفة، عليه أن يستعمل المقوّيات والمنشّطات للاستمرار في حياته. والأمران اللذين أريد ذكرهما هما من المقوّيات للروح وللقلب وللعقل:

الأمر الأول: مهما كنت أيّها الإنسان صالحاً فاسعى إلى أن تكون أكثر صلاحاً. ومهما كنت متحليّاً بأخلاق طيّبة وحسنة اسعى إلى أن تكون أخلاقك أفضل، ومهما كنت ورعاً ومتّقياً عليك أن تسعى إلى أن تكون أكثر ورعاً وتقوى. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين صلوات الله عليه: أفضل الأعمال في هذا الشهر المبارك هو الورع عن محارم الله.

اجتناب المحرّمات

أما المحرّمات، فمنها قطع الرحم وعقوق الوالدين، والتقصير في تربية الأولاد، وفي كيفية التعامل مع الجار وفي معاملات، في البيع والشراء. ومن المحرّمات الكذب على الله، والغيبة والتهمة. وأما الورع، فهو أن تقرّر في شهر رمضان بأن لا تترك حتى واجب واحد. وإذا لا سمح الله مارست النفس الأمّارة ضغطاً على الإنسان وساعدها على ذلك الشيطان من الخارج ووقع الإنسان في الحرام أو ترك الواجب فإنّ القرآن الكريم يقول بهذا الصدد: (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم). أي عليه أن يستغفر الله في الحال، وهذا هو الورع.

إنّ من الأمور المهمّة في شهر رمضان هي كثيرة، ومنها أطعام الإطعام كأن يفطّر صائماً في بيته أو يقدّم المال لإفطار الآخرين. فالنبي أوصى بذلك ولو بشق تمرة (اتقوا الله ولو بشق تمرة). وإذا لم يستطع أن يقدّم ذلك فليقدّم كوباً من الماء لإفطار الآخرين. وهذه من الفضائل، ولكن الأهم في هذا المجال هو أن يسعى الإنسان إلى أن لا يرتكب الحرام في شهر رمضان، وإذا وقع في الحرام فعليه أن يستغفر ربّه سريعاً ليتطهّر من الذنب، وعليه أن لا يترك واجباً.

تزكية النفس

إنّ ساعات شهر رمضان العظيم ولياليه لها أهمية خاصة في تزكية النفس التي قال عنهل القرآن الكريم: (قد أفلح من زكاها) وقد أورد القرآن الكريم مثل تلك العبارة في آيات عديدة، لأنّ التزكية هي طريق الفلاح. وتزكية النفس بحاجة إلى عملين، أولهما التصميم، والآخر التلقين. فعلى الإنسان أن يقرّر أنّه مهما كان صالحاً أن يكون أكثر صلاحاً. فالكسبة المحترمون اللذين يبذلون جهداً كبيراً من الصباح إلى الليل لتحصيل المال، يسعون إلى ذلك لأنّهم يريدون أن يعيشوا عيشة راضية ويحفظوا ماء وجههم وأن يديروا حياتهم بشكل صحيح، فتراهم كلّما حصلوا على مال يسعون أكثر لتحصيله للحفاظ على ماء وجههم، وهذا يعتبره النبي صلى الله عليه وآله نوع من العبادة، فإذا حصلوا على أموال أكثر عليهم أن يقدموا الصدقة التي منها واجبات كالخمس والزكاة وزكاة الفطرة والفدية والكفّارات وهناك أمور أخرى تعتبر من الواجبات.

الأمر الثاني: إرشاد الآخرين

أعود وأكرّر وخاصّة للشباب والشابات بأنّ مسألة تقديم الموعظة والإرشاد للآخرين كتقديم الموعظة من الأخت لأخيها ومن الزوجة لزوجها وتقديمها للعمّة والخالة والخال والأخ والأمّ والأب وتقديمها للجار والزميل وزميل الدراسة هي كلها من الأمور الإرشادية التي يجب أن لا نقصّر فيها.

الأجر مضاعف في شهر رمضان

إذن، لماذا يحرم الإنسان نفسه من هذا الأجر. ونحن نعلم أنّ هذا العمل يجب أن يكون طيلة السنة ولكنّ شهر رمضان العظيم هو ربيع هذه الأعمال، فكما أنّنا نختم القرآن الكريم مثلاً في شهر شعبان وشهر شوال فيكتب لنا ثوابه، لكن في شهر رمضان إذا قرأت بسم الله الرحمن الرحيم فستمنح ثواب ختمة كاملة، وإذا قرأت (سورة الإخلاص) فإنّ كلّ آية تعادل ثواب ختمة كاملة للقرآن.

إنّ شهر رمضان ربيع هذه الأمور، ولذا يجدر بالإنسان أن يستفيد من هذه الفرصة. ومن أفضل الأمور في شهر رمضان هو إرشاد الآخرين للأعمال الحسنة والصالحة ولما مرّ ذكره. بلى قد يؤدّي المرء الواجب في شهر شعبان وشوال ولكن هذا الأمر أي الإرشاد يكون في شهر رمضان أكبر ومضاعف بالأجر والثواب. ففي باقي الشهور جعل الله أجراً محدوداً، لكن في شهر رمضان يكون الأجر مضاعفاً وكثيراً. فشهر رمضان هو بورصة هذه الأعمال وبورصة جميع الفضائل.

تزكية العقائد

من تزكية النفس، هي التزكية في العقائد وفي أصول الدين. فعلينا أن نفكّر تارة وأن نستمع تارة أخرى وأن نتحدّث مع الآخرين، وخصوصاً الشباب والشابات وحتى كبار السن، عليهم أن يتباحثوا في مثل هذه المسائل، ويسألوا أنفسهم إلى أي درجة هم يؤمنون بالله. ومثاله هو: إذا كان أحدنا في غرفة وفيها كاميرا خفية، فإذا كان لا يعلم بوجودها فإنّه يتصرّف كما يشاء، لكنه أن يعلم بها فإنّ تصرّفاته سوف تختلف، فتراه يدقّق في عمله. وكما إن الكاميرا تراقب الشخص فالله تعالى يراقب أيضاً ويعلم بما تخفيه النفوس. والفرق إنّ الله سبحانه وتعالى إذا رأى في الإنسان مئات المحرّمات وندم الإنسان عليها فإنّ الله يمحوها عنه.

التفكّر بالإيمان والعقيدة

لذا علينا أن نجلس ونفكّر هل نحن نؤمن بالله حقّاً؟ وهل هذا الإيمان له جذور في ديننا وفي إسلامنا وله جذور في فضائلنا؟ خاصةً وأنّ إلهنا إله عادل، فالله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، بل لماذا يظلم؟ فالذي يمارس الظلم هو إما سيئ أو يحتاج إليه كالشخص الذي يسرق لأنه يحتاج إلى المال والشخص الذي يقتل لأنه يحتاج إلى سرقة مال المقتول. أما الله تعالى فلا يحتاج إلى هذه الأمور فهو العظيم لا يظلم عباده، وهو العادل. فكم نحن نؤمن بمثل هذا الإله؟

إذا كان على فلان الشخص أن يحضر محكمة ولم يعيّنوا له يوما، فمثل هذا الشخص كيف ستكون حياته؟ هل ينام هنيئاً ويعيش مرتاحاً؟ ونحن جميعاً في يوم من الأيام سوف تقام لنا محكمة، وهذه المحكمة شاملة، فكيف لنا أن نتصرّف معها؟

سبيل النجاة

إذن، علينا أن نلقّن أنفسنا بهذه الأمور ليزداد إيماننا، وعلينا أن نقوم بأعمال تساهم في تخفيف عقوباتنا، ففي الواقع أنّ كل شخص عليه أن يسعى إلى نيل التوفيق أكثر في الازدياد بالإيمان بالله وبالمعاد، وشهر رمضان العظيم هو بستان وربيع هذه الأمور، وهو ربيع الموفقية.

كما علينا أن نلتزم بوصايا رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي ذر، ومنها ما ذكرناه في بادئ الكلام، وهي: كن على عمرك أشحّ منك على درهمك ودينارك. يجب علينا أن نقوم بذلك وننتهز ما بقي من شهر رمضان العظيم. وعلينا أن نطالع ونتأمّل ونقرّر ونعمل، ونلقّن أنفسنا بتزكيتها، وأنّه مهما كانت التزكية كبيرة إلا أنّنا نحتاج للمزيد منها، وأكثر وأكثر، وهذا الأمر يتحقق بتقديم الموعظة للآخرين أيضاً.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز