اصطنع المعروف.. تلقى الأجر والفخر والذكر

461 2019-08-01

ورث "بالاك مايكوسكي" ثروة كبيرة عن أبيه، لم يعرف بدايةً أين يُمكنه استثمار هذه الأموال، تأمّل كثيراً لكنّه لم يجد فكرة جيدة.

ذهبَ ذلك الشاب الامريكي إلى الريف الأرجنتيني للمُشاركة في سباق سيارات، هناك لاحظَ الفقر المدقع بين العائلات بحيث أنَّ الكثير من الأطفال يمشون حُفاةً فأهاليهم لا يملكون ثمن أحذية لهم، هنا انقدحت له فكرة مضيئة، قرَّرَ أن يُنشئ شركة أحذية تجمع بين العمل الخيري والربح التجاري.

فأسَّسَ شركة "تومز" للأحذية، وهي عبارة عن أحذية رياضية خفيفة تُنتعل بلا جوارب، أما التسويق فكان يقوم على فكرة واحد مقابل واحد، والفكرة باختصار أنّه سيقوم بإعطاء طفل فقير حذاءً مجاناً مُقابل كل حذاء يتم بيعه.

لاقتْ مُنتجات الشركة رواجاً كبيراً بسبب جودة الأحذية وحب الناس لدعم العمل الخيري.

ما زالت الشركة حتى اليوم تتّبع ذات النهج، واحد مقابل واحد، كل حذاء يُباع يُقدّم مقابله حذاء مجاناً لطفل فقير، وتعتبر تومز اليوم من أشهر ماركات الأحذية في العالم، كما أن صاحب هذا المشروع أصبح من أثرياء أمريكا!.

نستلهم الكثير من العبر في هذه القصة، ومنها أنَّ المعروف يعود بالنفع للآخرين ومن ثم لصاحبه ولو بعد حين، فمن الممكن أن تجتمع الفائدة المجتمعية والفائدة الشخصية في بوتقة واحدة، على العكس مما نعتقد فلا تعارض بينهما، تلك هي سنّة الله في أرضه.

في قنوت صلواتنا يستحب أن ندعوا بالآية الكريمة التي نطلب فيها ثواب الدنيا والآخرة، والتي تقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة).

وهناك مقولة من ذهب طوى قائلها واختصر فيها صحائف من الحكم والمواعظ، يروى عن الامام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) أنه قال:

"أهل المعروف إلى اصطناعه أحوج من أهل الحاجة إليه؛ لأن لهم أجره وفخره وذكره، فمهما اصطنع الرجل من معروف فعندما يبدأ فيه بنفسه فلا يطلبن شكر ما صنع إلى نفسه من غيره".

فالانسان أحوج إلى اعطاء الفقير من أخذ الفقير منه وهذه الرؤية الانسانية من الامام قمة في المبادئ والقيم.

نعم الفقير والمحتاج بحاجة إلى المعروف، لكن المعطي أحوج منهم وهذا بحاجة لسعي وتوفيق أيضا. عن الامام الحسين عليه السلام: "حوائج الناس اليكم من نعم الله عليكم".

إنه منهج تربوي يعلّمه الإمام لنا، ولقد لقب بالجواد لكثرة عطائه وسخائه من غير سؤال، ولقد اشتهر بباب المراد أيضاً، لأن الملهوفون وذوو الحاجة يلجأون إليه.

ولا نظن هنا أن قضاء حوائج الناس تتحدد بالأشياء المادية، بل العطاء والاحسان مفهوم واسع وعميق ومنها سعة الأخلاق والبِشر وبذل العلم والتعليم والهداية وقد تكون الأخيرة أهمها، يقول الرسول صلى الله عليه وآله: "لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس"..

فنقطة الدائرة والقطب التي تدور عليها أغلب الديانات هو بذل المعروف والاحسان إلى الناس.

وإنْ أردتَ أن تقهر النسيان، إمس لأهل الجود ضيفاً، انهل من فيضهم العذب، اعتمد على سلاح الاحسان، لامس جراح المكلومين، اخبز المعروف ووزعه على الجائعين، انسج من أضواء خيرك لوحة تؤجر عليها، تملك فيها الخَلق في حياتك وتُخلّد اسمك بعد موتك. 

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز