دُروسٌ وعِبر من كَلمة لقَتيلِ العَبرة والعِبر

قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السَّلام): "اعْلَمُوا أَنَّ حَوَائِجَ النَّاسِ إِلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ فَلَا تَمَلُّوا النِّعَمَ فَتَتَحَوَّلَ إِلَى غَيْرِكُم‏"(١)، إذ يُمكن أن نستلهم من هذا الحديث العتروي دروس منها:

الدرس الاول: كن متخلق بأخلاق أهل السماء.

إذ نشم من قول الامام عطر الاخلاق السماوية التي يُريد أن يُربينا عليها فقيمة أخلاق الإنسان تقاس بشكل عام - ولكن هو مقياس مفصلي - في سلوكه مع الخالق والخلق.

إذ إنه متى ما كانت نظرة الانسان محدودة ومادية فقط، أصبح ينظر الى ما يجنيه لا ما ينفقه، والى ما سيأخذه لا ما سيعطيه، وهاتين النظرتين الفارق بينهما كاشف إما عن سمو روح هذا الانسان وإما تدنيها الى عالم الفانيات، فالذي ينظر الى وظيفته كإنسان وكخليفة لله تعالى في أرضه (بمعناها العام) يجد أن الله تعالى سخر له كل الوجود ومكنه فيها لكي ينتفع من وارداتها، ويستثمر كنوزها لينفع نفسه وغيره، وكلما أرتقى الأنسان كان أنشغاله بغيره اكبر، فتعالى يحب عبده النفاع لعياله، فصاحب الروح الالهية هو من أهل النظرة الثانية اي يسعى الى أن يكون من اهل البذل والانفاق، لا الاخذ والادخار.

فالإمام الحسين(عليه السلام) يربينا على هذا المبدأ وعلى أمتلاك هكذا روحية، ويرقينا في حالات ادراك حقيقة النعم وكيفية شكرها، بأن لا نشكر الله على النعم المعطاة الينا فقط بل نشكره على أن جعلنا وسيلة عطاء لخلقه، ببذل المزيد من العطاء - وهذا ما يسمى بالشكر العملي لا القولي- أي أن نشكره لأننا من أهل العطاء، فوحده من يدرك هذا المعنى يكون حريص أن لا يُستبدل بغيره، فيحرص أن لا يرد سائلا عن بابه قدر ما يستطيع.

الدرس الثاني: حوائج الناس من النعم الخفية فأغتنمها

فقد رُوِيَ عَنِ الإمام الحسن بن علي الْعَسْكَرِيِّ (عليه السَّلام) أَنَّهُ قَالَ: "خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا شَيْ‏ءٌ، الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَنَفْعُ الْإِخْوَانِ". (٢) وهنا لعل من الاشارات التي تربي النفس الانسانية على تحقيق نفع الاخوان وبذل الجهد في قضاء حوائجهم، والسعي لإنجاح مطالبهم هو تقديم تحقيق الايمان بالله تعالى اولاً، فالنفس التي تعتقد وتؤمن أن مصدر كل ما عندها وما تملك وما تجود به هو من صاحب الخزائن التي لا تنفذ، لن تشح نفسه ولن تبخل بالعطاء خشية الافلاس او النقصان لان الذي اعطى بالأمس سيعطي في الغد، بل من أسماء ربنا الذي نؤمن به هو "المعطي" أي أن عطاءه غير محدود، فهو لن يعوض المعطي في نفس الموضع بل في مواضع ومواطن اخرى.

الدرس الثالث: كن معطاء على كل حال  

نحن كبشر كثيراً ما نكون من اهل الجحود والنسيان لمصدر الجود والعطاء جل وعلا سواء عن غفلة مقصودة او عند غير قصد، فليس مستغرباً أن يمر في حياتنا من نعطيه فيكون جاحداً او متناسياً لعطاءنا عندما صيرنا تعالى وسيلة للعطاء وقضى حاجات الاخوان.

وفهم هذه الحقيقة البشرية توجب الاستمرار بنفع الاخوان، بل يدرك المعطي من خلالها إن عطاءه كان تشريفاً له فلا ينتظر مقابل من الخلق بل عينه على رب الخلق - فكما يقال - أن من يكون تعامله مع الاخرين لأجل الله تعالى هو لن يرى أن هناك نكران للجميل إن صدر من المقابل لأنه صنع ما صنع، وأعطى ما أعطى لوجه الجميل الذي لا ينسى ولا يضيع عنده صنع المعروف ابداً.

وسيد الشهداء(عليه السلام) هو خير تجلي ومصداق لكلمته هذه، إذ سقى اعدائه وهم منعوا عنه الماء، قابلهم بالإحسان مع إنهم قابلوه بالنكران، لأنه كان معطاء على كل حال، متخلق بأخلاق ربه المتعال.

-----
(١) بحار الأنوار : 75 / 127.
(٢)مستدرك وسائل الشيعة : 12 / 391.
للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز