المؤمن الرجبي وقيمة العطاء

طبيعة العطاء هو الذي يكون كاشف عن حقيقة نوع الإيثار عند المعطي، هل هو الإيثار المطلوب الممدوح أم لا؟

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ... وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}(١)، الآية تخاطب أهل الايمان وتوجب عليهم الإنفاق، ولكن توجب ذلك بشرط وهو[مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ]، وكأن الآية توحي لنا إن هناك مرتبتان من الطيبات [طيبات ذاتية/في النفس] هي بمثابة الأصل ورأس مال الإنسان مما يعطى من أرزاق معنوية ومادية من المعطي سبحانه وتعالى، وهناك [طيبات مكتسبة من الخارج] على أثر إستثمار تلك الطيبات بتسخيرها فيما يجب، وإنماءها فيما يُحب المعبود.

فمن جهة الآية الكريمة أوجبت الانفاق سواء بالأمور المادية أو المعنوية من المكتسب لا الأصل،  لكي لا يفقد الانسان رأس ماله، وليبقى الإنسان محافظا على توازنه الحياتي، كما ورد عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: [من أخلاق المؤمن الإنفاق على قدر الاقتار (أي القلة والتضييق)، والتوسع على قدر التوسع،..](٢).

ومن جهة أخرى نقرأ في أدعية رجب المكرم هذه الفقرة: {فَإِنَّهُ غَيْرُ مَنْقُوصٍ مَا أَعْطَيْتَ}، فعطايا الله تعالى نازله، وأرزاقه ممدودة، ففي ذلك إشارة إن من سمات المؤمن أنه دائما في حالة استزادة وتزود؛ هو قادر على أن يتحلى بصفة من صفات ربه [المعطي]، فهو في عطاء دائم، وفي زيادة دائمة؛ فالمكاسب جارية فلن يضطر أن يعطي من غير المكاسب، ولن يعيش النقصان مهما أنفق، ولعل الآية أشارت للإنفاق من المكاسب لهذه العلة.

لذا حتى من ينفق من أصل ما يملك فهو يكون ممن اتصف بقيمة إنسانية عليا تعرف [بالإيثار]، إلا إن طبيعة العطاء هو الذي يكون كاشف عن حقيقة نوع الإيثار عند المعطي، هل هو الإيثار المطلوب الممدوح أم لا؟.

فهناك من يعطي ويضيق على نفسه لأنه لا يستطيع أن يقول: [لا] لمن يطلب منه، وهو في داخل نفسه غير راضي ومحرج!! فيسبب لنفسه الضغط  والضيق فهذا إيثار مذموم ولا يؤجر عليه صاحبه. أما إذا كان ممن يعطي ويعلم إنه سيمر بضيق لما في اليد لكن تراه منشرح الصدر، ومتكل على الرزاق فهذا هو الايثار الحقيقي الممدوح، وحاشا لله تعالى أن لا يمده ويوسع عليه.

فمتى ما شعر المؤمن إن الله تعالى ممده بكل ما هو محتاجه، سيدرك إن كل ما أنفقه وإن كان في الظاهر قد ضيق على نفسه بما أنفق، إلا أنه في الأصل عطاء من الرزاق، والمعطي سبحانه خزائنه ملئا لا تنفذ، كما هو رازقه في الأمس سيعطيه  في يومه هذا وفي الغد، فلمَ يبخل أو نفسه تشح سواء بالعطاء من أصل ما يملك أو مما اكتسب؟!.

------

(١) البقرة :267.
(٢) الكافي: ج ٢، ص ٢٤١

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق