سيدة نساء قريش: بين التضحية والعطاء

شارك الموضوع:

وروي أن الإسلام لم يقم إلا بمالها وسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام)

يقولون “وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة”، فمن يجحد دور المرأة ويصغر في شأنها عليه أن يعرف ماذا قدمت المرأة من التضحيات حتى  تشديد أزر زوجها واحتوائها لما يلاقي من هم وكلل بخارج بيته، وتتحمل أن تكون في مرتبة أقل من ماهي عليه فهنا لا توجد خادمات وليس هناك قصر أو أموال.

لتعلم مدى عظمة هذا الدور والعطاء، وهب النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)  تلك الهدية الثمينة لتشاركه أموره وليستشيرها ويحاورها في ما يجري من أمور الدين والدنيا، وليكون كلاً منهما كنف للآخر, واستطاعت هي برجاحة عقلها وحكمتها أن تجاهد مع نبينا بجهاد المال والكلمة الطيبة فكانت نعم الزوجة الصالحة.

السيّدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي.. وتلتقي مع زوجها الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الجد الأكبر (قصي).

والدتها «فاطمة» بنت زائدة بن أصمّ بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، كانت سيّدة جليلة مشهود لها بالفضل والبرّ.

ورد في البحار أنّها كانت عندما تزوّجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عذراء، وإنه لم يبق من أشراف قريش ومن ساداتهم وذوي الجدة منهم، إلاّ وخطب السيّدة خديجة ورام الزواج منها، فامتنعت على جميعهم من ذلك.

فلمّا تزوّج بها رسول الله (صلى الله عليه وآلة وسلم) غضبن عليها نساء قريش وهجرنها وقلن لها: خطبك أشراف قريش واُمرائهم فما تزوّجت أحداً منهم وتزوّجت محمداً يتيم أبي طالب، فقيراً لا مال لـه.

وقد أقامت مع رسول الله (ص) أربعاً وعشرين سنة وشهراً. ولم يتزوّج عليها غيرها، إلاّ بعد أن توفيت (عليها السلام).

لقبت السيدة خديجة في الجاهلية بالطاهرة، وسميت بالطاهرة لشدّة عفافها، وتسمى وكانت تكنى بأم هند.

مكانتها في الاسلام  

وإنها من النساء المختارات عند الله تعالى، فعن أبي الحسن الأول (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله اختار من النساء أربعاً: مريم وآسية وخديجة وفاطمة».

وعن أبي سعيد الخدري: (إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ جبرئيل (عليه السلام) قال لي ليلة اُسري بي حين رجعت وقلت: يا جبرئيل هل لك من حاجة؟

قال: حاجتي أن تقرأ على خديجة من الله ومنّي السلام"  وحدّثنا عند ذلك أنّها قالت حين لقيها نبي الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لها الذي قال جبرئيل، قالت: إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام وعلى جبرئيل السلام).

من الذين أشادوا بفضائل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وحدّثوا السيدة خديجة (عليها السلام) عن عظيم مقاماته، هو (ميسرة) خادمها الذي رافق النبي (صلى الله عليه وآلة وسلم) طيلة سفره إلى الشام، وشاهد بعينيه كل المعجزات والكرامات المحمودة التي اتّفقت لـه أثناء الطريق.

فلمّا عاد ميسرة من السفر التفتت إليه السيدة خديجة وقالت: حدّثني كيف كان سفركم؟ وما الذي عاينتم من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟.

فقال: يا سيدتي وهل أُطيق أن أصف لك بعضاً من صفاته وما عاينت منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم أخبرها بحديث السيل والبئر والثعبان والنخل وما أخبره الراهب وما أوصاه إلى خديجة.

فقالت: حسبك يا ميسرة اذهب فأنت حرّ لوجه الله، وزوجتك وأولادك، ولك عندي مائتا درهم وراحلتان وخلعت عليه خلعة سنية وقد امتلأ سروراً وفرحاً.

ثم إنّ السيّدة خديجة (عليها السلام) التفتت إلى النبي (صلى الله عليه واله وسلم) وقالت: يا سيدي كيف كان سفركم؟.

فأخذ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحدّثها بما باعه وما شراه.

فرأت خديجة ربحاً عظيماً، وقالت: يا سيدي لقد فرّحتني بطلعتك وأسعدتني برؤيتك فلا لقيت بؤساً ولا رأيت نحساً.

وعن كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألت عن بدء الإسلام كيف أسلم علي (عليه السلام) وكيف أسلمت خديجة؟

فقال: «تأبى إلا أن تطلب أصول العلم ومبتدأه، أما والله إنك لتسأل تفقها».

ثم قال: «سألت أبي (عليه السلام) عن ذلك فقال لي: لما دعاهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا علي ويا خديجة أسلمتما لله وسلمتما له، وقال: إن جبرئيل عندي يدعوكما إلى بيعة الإسلام فأسلما تسلما وأطيعا تهديا».

فقالا: «فعلنا وأطعنا يا رسول الله».

فقال: «إن جبرئيل عندي يقول لكما: إن للإسلام شروطا وعهودا ومواثيق فابتدئاه بما شرط الله عليكما لنفسه ولرسوله أن تقولا: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه في ملكه، لم يتخذ ولدا ولم يتخذ صاحبة، إلهاً واحداً مخلصاً، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة بين يدي الساعة، ونشهد أن الله يحيي ويميت ويرفع ويضع ويغني ويفقر ويفعل ما يشاء ويَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ».

قالا: «شهدنا»

وأنّ جبرئيل أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسأل عن خديجة فلم يجدها، فقال: إذا جاءت فأخبرها أنّ ربّها يقرؤها السلام.

وروي أن الإسلام لم يقم إلا بمالها وسيف علي بن أبي طالب (عليه السلام).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «لمّا توفّيت خديجة (عليها السلام) جعلت فاطمة (عليها السلام) تلوذ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتدور حوله وتقول: يا أبت أين اُمّي؟

قال: فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال له: ربّك يأمرك أن تقرأ فاطمة السلام وتقول لها: إنّ اُمّك في بيت من قصب، كعابه من ذهب، وعمده ياقوت أحمر، بين آسية ومريم بنت عمران.

فقالت فاطمة (عليها السلام): إنّ الله هو السلام ومنه السلام وإليه السلام.

وقال ابن شهر اشوب في مناقب آل أبي طالب:ـ  ويصف الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ورود خديجة يوم الحشر بهذه العبارات البليغة: يأتي لاستقبالها سبعون ألف ملك يحملون رايات زيّنت بعبارة «الله أكبر».

نعم، إنّها أول سيّدة مسلمة تأكل من فاكهة الجنّة حيث ناولها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) بيده الشريفة عنقوداً من عنب الجنّة.

شهادة السيدة خديجة

وجاء في كتاب شجرة طوبى: ولما اشتد مرضها قالت: يا رسول الله اسمع وصاياي.. الوصية الثالثة فإني أقولها لابنتي فاطمة وهي تقول لك فإني مستحية منك يا رسول الله، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وخرج من الحجرة فدعت بفاطمة وقالت: يا حبيبتي وقرة عيني قولي لأبيك إن أمي تقول أنا خائفة من القبر أريد منك رداءك الذي تلبسه حين نزول الوحي تكفّنني فيه، فخرجت فاطمة وقالت لأبيها ما قالت أمها خديجة، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم الرداء إلى فاطمة وجاءت به إلى أمها فسرّت به سروراً عظيماً. فلما توفيت خديجة أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تجهيزها وغسّلها وحنطها، فلما أراد أن يكفّنها هبط الأمين جبرائيل وقال: يا رسول الله إن الله يقرئك السلام ويخصّك بالتحية والإكرام ويقول لك: يا محمد إن كفن خديجة من عندنا فإنها بذلت مالها في سبيلنا فجاء جبرائيل بكفن وقال: يا رسول الله هذا كفن خديجة وهو من أكفان الجنة أهدى الله إليها. فكفنها رسول الله بردائه الشريف أولاً وبما جاء به جبرائيل ثانياً، فكان لها كفنان، كفن من الله وكفن من رسول الله.

وعند دفنها نزل رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) في حفرتها وأدخلها القبر بيده الشريفة في الحجون وقد كانت وفاة السيّدة خديجة (عليها السلام) وأبي طالب (عليه السلام) في عام واحد قبل الهجرة بثلاث سنين، أي في السنة العاشرة من البعثة بعد خروج بني هاشم من الشعب، وكان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) يقول: «ما اغتممت بغمّ أيام حياة أبي طالب وخديجة».

لما كان أبو طالب (عليه السلام) يدفعه عنه وخديجة (عليها السلام)، تعزّيه وتصبّره وتهوّن عليه ما يلقاه في ذات الله عزّ وجلّ، ولذا عند ما توفي عمه أبو طالب وزوجته خديجة سمّي ذلك العام بعام الحزن.

مقبرة الحُجُون التي ضمَّت مثواها

ومثوى الناصر الأكبر أبو طالب بن عبد المطلب عليهما السلام، كانت محط خيمة رسول الله حين فتح مكة عائدًا لزيارة حبيبين طال غيابه عنهما طويلا..

وقد دُفنا في مقبرة "جنة المعلاة" أو" المعلى" في حي الحُجون بـ مكة المكرمة، ولقد سمّيت بـ المعلى لأنها تقع في أعالي مكة.

ولقد بنى أتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم من مختلف المذاهب والمشارب، الأبنية والقباب تكريمًا لمكانتهما من رسول الله، وفضلهما في نشر الإسلام، حتى حلَّ القرن الثالث عشر الهجري والثامن عشر الميلادي حينما أُنشئت الدولة السعودية الأولى فـ استولى الوهابيون على أرض الحجاز فقاموا باستهداف معالم مقبرة المعلاة المقدّسة وذلك بعد إزالة معالِم البقيع المقدّس، حيث لها المرتبة الثانية من القدسية بعد البقيع، ويليها موقع شهداء أُحد والذي هُدم أيضًا في المرتبة الثالثة.

وفي هذا الصدد ينقل المؤرخون: " وفي عام ١٨٠٣ وصل جيش الأمير سعود إلى مكة، وانسحب الشريف غالب إلى جدة، فهُدمت القباب كلّها، ثم حُذف من الآذان جمل من الثناء على النبي".

من جانبٍ آخر وعلى مسافة قريبة من جنة المعلاة؛ يقع دار السيدة خديجة عليها السلام في زقاق الحَجَر، والذي يعتبر من مهابط الوحي والتنزيل، وكان يحتوي على محراب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم، ومكان ولادة سيدة نساء العالمين عليها السلام،  ورغم تحوّل هذا المكان المقدّس إلى مسجد عبر مرور السنين إلّا أن بناءه الأثري والقديم - وعمره أكثر من١٤٠٠ عام- كان لا يزال باقيًا حتى عهدٍ قريب،  وحينما حلَّ القرن الثالث عشر الهجري تعرّض للإهمال والهجران، وذلك حتى عام ١٤١٠ للـ الهجرة - ١٩٨٩ للـ الميلاد، حيث بدأت عمليات توسعة الحرم المكي، فقامت السلطات السعودية بإزالة الأبنية المحاطة بـ الحرم دون مراعاة لـ حرمة الآثار.

فالسلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث حية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر
‎1- الحجون: بفتح الحاء جبل بمكّة وهي مقبرة، بحار الأنوار: ج18 ص97.
2- بحار الأنوار: ج19 ص20
3- كشف الغمّة: ج1 ص512.
شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق