أي الوعاء ستختار؟

شارك الموضوع:

لسنا بمعصومين، ولا آبائنا كذلك فربما نتكتسب بعض الصفات السلبية منهم، ماذا نفعل الآن؟!

إنّ التربية تقع على عاتق الأم أكثر بكثير من الأب، فالأم هي المحرك الأساسي للأبناء وهي المؤثر القوي على بناء شخصياتهم، فهي الرحم و“الوعاء“ الحامل لهم، وسيكتسب بعض أو الكثير من الصفات منها، جينيناً كان ذلك أو تربوياً .

‎ومنها كصفات إيجابية مثل ذكائها وسرعة بديهتها وشجاعتها وكرمها وأخلاقها وبشاشة وجهها ومهاراتها وهلم جرا… أو صفات سلبية مثل الخوف والبخل وسوء الخلق ووو…

‎لسنا بمعصومين، ولا آبائنا كذلك فربما نكتسب بعض الصفات السلبية منهم، ماذا نفعل الآن؟!

‎ليس هنالك مستحيل، بإمكانك أن تغيّر من نفسك وأن تتخلص من هذه الصفات السلبية ما إن هممت بذلك وجاهدت نفسك وسعيت لتغييرها. واطمئن ستنجح.. نعم، الأمر ليس بالسهل اليسير، لكن الله سبحانه جعل لكل منّا هذه القابلية وهذه القدرة العظيمة للتغيير وللتخلص من أمور لا نحبها في ذواتنا .

‎ذكروا علماء النفس أنّ من إحدى الطرق المهمة لبرمجة الذات والتخلص من الصفات السلبية المتأصلة فينا، هي : ”التأكيدات اللفظية والتصوّر“ ،

التأكيدات اللفظية، هي أن توحي لنفسك الصفة التي تحب أن تكتسبها، مثل أن تقول أنا حسن الأخلاق، أو أنا حليم، أو أنا ناجح، أو أنا قوي .

والتصوّر، هو أن تتخيل وتتصور نفسك و أنت تحمل الصفة التي تحبها وتود أن تكتسبها .

مثلاً أن تتخيل نفسك و أنت في نفس الموقف الذي أسأت التصرف فيه ولكن هذه المرة أنت أحسنت التصرف، تتصور في ذهنك هذا الأمر مع السلوك الصحيح والمحبب لك مراراً وتكراراً . تفلتر ذهنك عن السلوكيات الخاطئة والفاشلة وتجعل ذهنك مكاناً للأفكار والتصرفات الإيجابية فقط . والمحفز الرئيسي لهذا كله.. هو تفكيرك الدائم بالموت وكم أنّ الحياة قصيرة ؛ وما نوع الحقيبة التي أعددتها لحياتك الأبدية؟ تبقيك على أتصال دائم بالقيم .

‎وعن سيد التنمية البشرية أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في كيفية تغيير نفسك واكتساب صفة الحلم : ” إن لم تكن حليما فتحلم، فإنه قل من تشبه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم ” . (١)

‎وإذا فعلت هذا سيتغيير سلوكك مع مرور الأيام، وبدلاً من العيش في إطار السيناريوهات المأخوذة عن والداك أو عن المجتمع أو الموروثة، ستعيش وفقاً للسيناريو الخاص بك، الذي كتبته بنفسك من خلال قيمك المختارة .

‎كيف يكون الوعاء فاسدا:

‎عندما يكون الوعاء والرحم طالح، من الممكن أن يكون الولد أيضاً طالح حتى ولو كان الأب نبياً ! ، لأن تأثير الأم في الأبناء جداً كبير، ومن الطبيعي في أغلب الأوقات لا ينشأ طفل صالح سليم في هكذا وعاء فاسد .

‎فـ نوح (عليه السلام) مع أنه كان نبياً لكن إبنه غرق مع الكافرين.. لماذا؟ لأن الوعاء كان غير سليما.

‎وفي القرآن الكريم، الله عز وجل ذم إمرأة نوح لأنها كانت السبب في إنجاب هذا العمل الغير صالح.

‎قال تعالى : ” ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَ امْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّـهِ شَيْئاً وَ قِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ” . (٢)

‎وقال تعالى : ” يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ” . (٣)

فهذا الطفل سيكون تسعة أشهر في رحم هكذا إمرأة.. وبعدها سيتغذى من حليبها وسيكون بينهما رابط عاطفي قوي وهذا كفيل بأن يجعل الولد كأمه في أغلب الأحيان!.

قد تتساءل لماذا إختار نبي الله زوجة كهذه؟! هنالك بالتأكيد مصلحة إلهية، عقلنا قاصر لمعرفة ما خلف الستار، وقد يكون أيضاً رسالة وتذكير لنا ؛ أنه حتى "نبي الله“ إن كانت زوجته طالحة ممكن أن يولد له ولد غير صالح . وبذلك ننتبه وندقق أكثر في إختياراتنا، لأن الأمر فعلاً مخيف وليس فقط في الدنيا بل وحتى بعد مماتنا، وإن منّ الله علينا بذرية صالحة سيصل أعمالهم إلينا وسينفعونا في الآخرة .

وإن كان العكس لن يصلنا شيء هناك بل وممكن أن نحاسب على سوء إختيارنا للشريك التي نتاجها هذه الذرية .

عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) : ” إياكم وخضراء الدمن، قيل : يا رسول الله ومن خضراء الدمن؟ قال : المرأة الحسناء في منبت السوء . (٤)

عندما أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يكون لأبنه الحسين (عليه السلام) ناصر في يوم عاشوراء طلب من أخيه عقيل وقال :

"انظر لي امرأة قد ولدَّتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاماً فارساً“ ،

فقال له : "تزوّج بنت حزام الكلابية (أم البنين) فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها“.

قول الإمام لأخيه هذا الكلام لأنّه (صلوات الله عليه) يعرف مدى تأثير الأم حتى بهذه النطفة المباركة، وأنها ستنقل الكثير من صفاتها له .

يعني.. حتى أمير المؤمنين والإمام على الخلق أجمعين وأفضل الخلق بعد رسول الله ؛ ستتأثر ذريته جينياً وتربوياً بالمرأة التي سيتزوجها !

اختار الله تعالى لأم البنين (سلام الله عليها) أن تنشأ في منبت طاهر في بيت الشجعان والكرماء، لتلد لأمير المؤمنين ؛ ”العباس“ اليد اليمنى للحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) . فرزقها الله سبحانه بأربعة أقمار وضحّت بجميعهم فداءً لإمام زمانها .

وكذلك هناك نماذج عدة من أنّ الأب كان سيء في الحقيقة لكن بواسطة زوجته النجيبة والصالحة أصبح الولد صالحاً، كما حدث هذا الأمر مع محمد بن أبي بكر إذ كانت أمه أسماء بنت عُميس فأنجبت صالحاً من أب طالح .

‎قال الإمام الصادق (عليه السلام) عنه : ” فمحمد بن أبي بكر أتته النجابة من قِبَل أُمه أسماء بنت عُميس ” . (٥)

‎كل الرجال متصلون بإمرأة:

عندما تلقي نظرة عامة على الرجال سترى كل منهم متصل بإمرأة في حياته، وهن المؤثر الأساسي في بناء شخصياتهم وهن المربيات لهم ( أمه كانت أو أخته أو زوجته أو إبنته أو خالته أو عمته.. ) فالرجل يتأثر بالأنثى أكثر مما تتأثر الأنثى بالرجل، لأن هذه هي خصلة الأنثى فهي المربية في جميع حالاتها .

ولو بحثت في كل العالم لن تجد رجل لا يتصل بأنثى، فالرجل بشكل مستمر متصل بها و يتأثر بها على الدوام.

ومن الممكن أيضاً أن تتأثر أنثى برجل، لكن كلامنا هنا على الأغلبية ومن له التأثير الأكبر في الآخر.

في ”علم النفس“ يُذكر أن المرأة ”قلب المنزل“، فإذا لم يصل الدم إلى القلب، سيتوقف القلب عن الخفقان ولا يقدر أن يكمل مهمته في إيصال الدم لباقي أعضاء الجسم.

فالمحرك الأساسي للقلب هي نفسها ”المرأة“، وبإمكانها بتوكلها على الله تعالى أن تغّير من حياتها و أن تكون سعيدة .

فهي لديها هذه القدرة الجبارة لتولّد الطاقة والنشاط لنفسها بنفسها، وبالتالي تنقله لعائلتها، فإن القلب إذا توقف سيتوقف باقي أعضاء الجسم أيضاً، ولن تصبح هذه العائلة عائلة ناجحة في المجتمع.

كيف نصرت المرأة إمام زمانها عبر الأزمنة:

السيدة خديجة (عليها السلام) كان لها ذلك التأثير الكبير والقوي في تقوية شوكة الإسلام، فبذلت أموالها وكل ما لديها لنصرة نبي الله . وكانت بجنبه بقلبها قبل مالها، وكان لا يسمع شيئاً يكرهه ولا تكذيب له فيحزنه إلا فرّج الله ذلك عن رسوله بها، فإذا رجع إليها تثبته وتخفف عنه وتهوّن عليه أمر الناس حتى ماتت (سلام الله عليها). كانت مثالاً للزوجة المخلصة الصالحة، والمرأة الرزينة العاقلة، ولا توجد شبيهة لها في نساء النبي على الإطلاق حيث عقلها الكبير، وشخصيتها العظيمة، ولشدة عفافها وصيانتها سمّيت بالطاهرة.

فقد ورد عن عائشة : كان رسول الله (صلّى‌ الله‌ عليه‌ وآله) لا يكاد يخرج من البيت حتى يذكر خديجة، فيحسن الثناء عليها، فذكرها يوماً من الأيام فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلاّ عجوزاً، فقد أبدلك الله خيراً منها ! فغضب حتى اهتزّ مُقدّم شعره من الغضب، ثم قال: ”لا والله ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت إذ كفر الناس، وصدّقتني وكذّبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء”. قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبداً. (٦)

وأيضاً ابنتها الطاهرة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (سلام الله عليها) فهي رغم كسر ضلعها، وفقد جنينها، وغصب حق بعلها، وحرق دارها، لم تترك رسالتها وآلت على نفسها أن تضحي بنفسها في سبيل نصرة إمامها لتكون بذلك أول شهيدة في سبيل الولاية ولتبيّن لنا أهمية البراءة من أعداء الله .

والتاريخ أيضاً يعيد نفسه، عندما أرادوا أن يقتلوا الإمام السجاد (عليه السلام) كذلك السيدة زينب (عليها السلام) دافعت عن إمامها والبقية الباقية، ومنعتهم من قتله غير مبالية ببطش الحكم الأموي الظالم.

هذه الأحداث لم تكن عشوائية أو صدفة، بل كانت كلها مخططة ”بتخطيط إلهي“ ولإيصال أكبر رسالة لجيل آخر الزمان، وهي أنّ المرأة لها هذا الدور الكبير في الأحداث وللدفاع عن إمام زمانها، إذ وقفت بكل ما لديها ودافعت عن دين الله ومنعت الظالمين أن يقضوا عليه.

فكما دافعت السيدة خديجة والسيدة فاطمة الزهراء والسيدة الزينب (سلام الله عليهم) بكل ما لديهم عن إمام زمانهم ونصرة الإسلام يجب علينا أن ندافع عن إمام زماننا الغريب (روحي له الفداء) وننصره بأقوالنا وأفعالنا وبكل ما لدينا، وأن نجعل طلب فرجه ذكرنا الدائم وأول دعاء يُذكر على لساننا.

مدى قوة تأثيرها على زوجها وإبنها:

عندما أرسل الإمام الحسين (عليه السلام) سفيره مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليجمع له أنصار، جمع مسلم بن عقيل عدد غفير من الجيش لنصرة الحسين (عليه السلام)، وما إن وصل الخبر ليزيد بن معاوية أمر بأن يغووا نساء الجيش الذين كانوا في صف مسلم بالذهب والمال الكثير، لينخدعوا ويأثروا بذلك على أزواجهم ويمنعوهم من الإلتحاق بالجيش ونصرة إمام زمانهم! إذ قدم لهم يزيد عروضاً دنيوية هائلة! وضعيفات النفوس كانوا السبب في تبدد جيش مسلم الذي كان سيلتحق بالامام الحسين لينصره. فبقي مسلم وحيدا!.

فانظر يا عزيزي القارئ الى دور المرأة الكبير سلبياً كان أو إيجابياً.

نعم، لها هذا الأثر البالغ في الأحداث ومصير أمة كاملة..!

كلامي هنا مع المؤمنات الواعيات، الممهدات، المحبات لإمام زمانهم.. فهن فقط سيفهمن ما أقول.

عزيزاتي صاحبات القلب السماوي، أنتن ”الجوهر“ ، أنتن جميعكن موجودات في جيش الإمام .. كيف يحصل ذلك؟ أليس أغلبية أنصار الإمام من الرجال؟

نعم، لكن من عمل على أفكارهم؟ من غذّى هذا الفكر ليكون مهدوياً وناصراً للإمام؟ من حثهم وشجعهم على القتال؟.

طبعا، يجب أن يكون ذلك بالرأفة والرحمة بهم والنظر إليهم نظرة الطبيب الشفيق على مريضه محاولاً اجتثاث السقم منه بلطف ورفق حتى يتعافى دونما توبيخ أو تجريح .

المرأة لها تأثير كبير في حث أباها وأخاها وزوجها وإبنها على نصرة إمامهم أو العكس!.

نعم، جيش مولانا صاحب الزمان (روحي له الفداء) سيكون أغلبهم من الرجال لكن، في الشكل فقط.. عندما نعمّق فكرنا ونوسّع مدارك فهمنا ونذهب الى ”الجوهر" سنرى جميعهم من النساء!

روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ إِمَامَا فَعَلَيْهِ أنْ يَبْدَأ بِتَعْلِيمِْ نَفْسِهِ قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِهِ، وَلْيَكُنْ تَأدِيبُهُ بِسِيرَتِهِ قَبْلَ تَأدِيبِهِ بِلِسانِهِ، وَ مُعَلِّمُ نَفْسِهِ وَمُؤَدِّبُها أحَقُّ بِالْإِجْلالِ مِنْ مُعَلِّمِ النّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ”. (٧) 

لا يخفى ذلك بأن يجب قبل كل ما قلناه أن نبدأ في البداية ببناء أنفسنا ونهيئ أرواحنا ونطهرها من الرذائل المعيقة لنصرة ولي أمره (عجل الله فرجه)، لنقدر بعد ذلك أن نؤثر بأحبتنا..

 نعم عزيزي القارئ، إذا أردت أن تكون كلمتك مسموعة ونصيحتك مؤثرة في النفوس ومحببة في القلوب، يجب أن تبدأ ببناء نفسك أولاً.

الهوامش :
١- نهج البلاغة
٢- سورة تحريم
٣- سورة هود
٤- بحار الأنوار
٥- الإختصاص
٦- أُسد الغابة، الإفصاح في الإمامة
٧- ميزان الحكمة

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق