الرسول الأكرم.. دروس أخلاقية لكل الأجيال

ينبغي على المؤمنين الاهتمام بهذه المناسبة من خلال توزيع الكتب المتعلقة بحياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[1].

الحوافز الأخلاقية عبارة عن الدوافع الباطنية التي تحرك الفرد نحو إتخاذ موقف أخلاقي معين، تنقسم هذه الدوافع إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأول: الدوافع القهرية

إن الدوافع القهرية عبارة عن إتخاذ الانسان موقفا أخلاقيا معينا، وهو مُلَجأ أو مكرهٌ لاتخاذ هذا الموقف.

هنالك رواية عن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن هنالك بعض المتدينين يقومون بالواجبات، ويحجون إلى بيت الله ويعملون ما يجب عليهم، وهم لا يرتكبون الحرام لأنه لم يتوفر أمامهم؛ فهذا النوع من الأفراد لا يتصف بالورع الداخلي، إذ ليس في نفسه الخوف من الله سبحانه وتعالى، لأنه لا يتمكّن؛ فإذا عُرض عليه الحرام وثب عليه، والعياذ بالله.

وجاء في التاريخ أن رجلاً كتم في قلبه حبَّ الدنيا أربعين عاماً؛ فهذا لا يُعد من عباد الله سبحانه وتعالى، وإنما هو من عبيد الدنيا، فقد كان يكتم هذه العبودية للدنيا في قلبه أربعين عاماً، لذا عندما يحصل أن تعرض له الدنيا، كأن يعرض عليه الخليفة الدنيا، فإنه سرعان ما يثب على هذه الدنيا، أي إن التعفف الذي كان يظهره لم يكن من دافع ذاتي وإنما كان من دافع قهري.

النوع الثاني: الدوافع المصلحية

وهي أن تكون المصلحة في مقابل المصلحة، أو المنفعة في مقابل المنفعة، ويسمى هذا النوع من التعامل بالتجارة، فأنا أصله لأنه يصلني، أو أحترمه لأنه يحترمني! فقد عرف الشيخ الاعظم [2] (رحمة الله عليه) البيع، ونقلاً عن بعض اللغويين، بانه عبارة عن مبادلة مال بمال، وهي مطابقة لعملية الاحترام المتبادل، فيحترم الانسان من يحترمه أي بدافع المصلحة وحسب.

النوع الثالث: الدوافع الإلهية

وهنا تتجلى حقيقة الأخلاق؛ فالرجل الخلوق هو ذلك الذي ينطلق في أخلاقه من الدوافع الإلهية، ولأن هذا العمل محبوبٌ عند لله؛ فالانسان يبرّ بوالديه ليس لأنهما أبرّا به، إذ لا عليه فيما اذا أبرّا به أم لم يبرّا، إنما المهم هو إن الله سبحانه وتعالى يحب البرّ بالوالدين، وعلى ذلك يكون البر بالوالدين، وكذلك الحال فيما يتعلق بالتواصل بين الاخوان، فأنا أتواصل مع أخي المؤمن لا لأنه يتواصل معي، وإنما لأن الله سبحانه وتعالى يحب ذلك؛ فهذه هي الدوافع الإلهية.

إن موقع البيئة التي جاء فيها النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله، من الناحية الأخلاقية، كانت محصورة بين الدوافع القهرية والدوافع المصلحية؛ فكان الرجل العربي في عهد الجاهلية يقول: أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، أي ان الرجل الذي من عشيرتي أفضل من الرجل من العشيرة الأخرى، وإذا حدث هنالك خلاف فأخي على حق وإن كان على باطل؛ فهذا كان منطق وأخلاق الجاهلية، ولذا تجدون في ديوان الحماسة في تلك القصيدة المعروفة يقول:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم         في النائبات على ما قال برهانا [3]

فإذا قال أخوهم: هلّموا إليّ وتعالوا؛ فلا حاجة بعد ذلك الى برهان ودليل، فهذا من قومي ومن عشيرتي إذن يجب أن أنتصر له، ومن منطق الجاهلية ما قام به ذلك الرجل المعروف بجوده وكرمه، وقد استفهمت زوجته (ماوية) عن سبب إنفاقه، وقد نحر الناقة الوحيدة عنده لشاعر جاءه ومدحه! فقال لزوجته:

إن المال غادٍ ورائح          ويبقى من المال الأحاديث والذكر [4]

فهل يطلق على هذا العمل أخلاق أم تجارة؟

لذا فان هذا المنطلق ليس منطلقاً إلهياً، بل إن الله سبحانه وتعالى لا يرضى بهذا المنطلق، فأن يكون الانسان كريماً حتى يذكره المجتمع، ليس من الأخلاق الإلهية، وإنما هي من الأخلاق النفعية، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تحرك في هذا المجتمع وأقام قاعدة أخلاقية جديدة، وهي القاعدة التي بشّرت بها الكتب الماضية، وهو نمط جديد ومنهج جديد من التعامل الانساني..

جمعت في صفاتك الأضداد        ولهذا عزت لك الأنداد [5]

جاء في التاريخ إن شخصاً يقال له: (سهل) وهو رجل مسيحي توفي أبوه فعاش في كفالة عمه، ويبدو أن عمه كان من الرهبان، يقول (سهل): كنت ذات يوم أقرأ الإنجيل، فوصلت إلى ورقة رابني شكلها، ولم تكن طبيعية، وبعد أن دققت فيها وجدت أنها عبارة عن ورقتين جمعتا بواسطة اللصق أو الصمغ فألصق بعضها ببعض، فساقني الفضول ففتحت الورقتين، فوجدت في إحداهما إنه سيأتي في آخر الزمان نبي، كما ذكرت صفاته، بعضها أوصاف مادية معرّفة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وبعضها أوصاف معنوية، فمن الأوصاف المادية: أنه ليس بالطويل ولا بالقصير، وأنه معتدل القامة صلوات الله وسلامه عليه، على كتفه خاتم النبوة، لا يقبل الصدقة، أما الصفات الأخلاقية التي أقرها الانجيل لنبي الاسلام فهي: إنه يركب الحمار، مع إنها كانت الوسيلة المبتذلة، قياساً بالآخرين الذين كانوا يستخدمون وسائل أفضل، ويحلب الشاة، إذ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يكلف الخادم أو زوجته بأن تحلب الشاة، وإنما يقوم بنفسه المباركة ويحلب الشاة التي كانت عنده في بيته، ويلبس القميص مرقوعاً، وهو ما لا يقدر عليه أحد حالياً بان يكون مستعداً لأن يلبس قميصاً مرقعاً في عدة أماكن، ولكن النبي صلى الله عليه وآله كان يلبس القميص المرقع، وهو أعظم شخصية في هذا الوجود، فقمة هذا الوجود الأنبياء والأئمة صلوات الله وسلامه عليهم، والرسول الأكرم هو قمة هذه القمة، كما جاء في الانجيل إنه: (من ولد إسماعيل وإسمه أحمد)، وإذا تراجعون الأناجيل حالياً تجدون حتى اليوم اسم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله موجوداً بإسم (فارقليطا)، وهو يعني بلغتهم (أحمد).

يقول سهل: بينما كنت أطالع الانجيل وإذا بعمي يدخل عليّ وأنا أقرأ هذه الورقة، فأخذ مني الإنجيل غاضباً وأخذ يضربني ويقول لي لماذا تقرأ هذه الورقة؟! قلت إن فيها صفة نبي آخر الزمان، قال إنه لم يأت بعد [6] !

فبالرغم من كل الأوصاف الموجودة التي تنطبق على النبي الأكرم، إلا إن الكِبر والحسد وغيرها تمنعهم من الإعتراف بالحق.

ولإخلال النبي صلى الله عليه وآله صورة أخرى تجلّت في فتح مكة، وفي هذا الفتح كان النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في ذروة القوة من الناحية الظاهرية، وقد فتح هذه العاصمة التي طالما حاربته، وهو يتمكن أن يعمل كل شيء، إلا إن الأخلاق تظهر في مواقع القدرة، وبأي نوع وشكل كانت.

كان المسلمون بعد فتح مكة يطاردون أربعة من المشركين قد أهدر الرسول الأكرم دمهم، لأنهم ارتكبوا الكثير من الجرائم بحق المسلمين، فهؤلاء حاربوا الدين الاسلامي طوال فترة تصل إلى عشرين عاماً، إذ قتلوا وجيّشوا الجيوش ضد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورمّلوا النساء وأيتموا الأطفال وقتلوا الكثير من المسلمين، من هؤلاء الأربعة كان شخصاً يدعى (عكرمة)، فعندما دخل المسلمون مكة بقيادة النبي صلى الله عليه وآله، فرّ عكرمة وذهب بعيداً حتى وصل إلى البحر وركب البحر ليذهب إلى منطقة نائية، فجاءت زوجته الى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد ورد في التاريخ إنها كانت إمرأة عاقلة ومدبّرة، وقالت له: إن عكرمة فرّ إلى البحر، ولا آمن عليه الهلكة، فإن شئت أن تؤمنه أعطه الأمان، فقال النبي صلى الله عليه وآله: آمنته بأمان الله، هو في أمان الله وفي أمان رسول الله، فجاءت المرأة إلى البحر، ورأت أن زوجها ابتعد بالسفينة إلى وسط البحر فأخذت تلوّح له وتناديه:

يا عكرمة توقف! قال: ما الخبر؟ قالت له – وهي إمرأة مشركة- جئتك من عند أكرم الخلق وأبرّ الخلق وأوفى الخلق، قال من هو؟ قالت إنه محمد.. وقد أخذت لك الأمان، قال: أنتِ كلّمتيه وأخذتِ الأمان؟ قالت: نعم.

وعندما جاء عكرمة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقبل أن يصل كانت للنبي إلتفاتة إذ قال لأصحابه: لا تشتموا أباه عندما يقبل علينا، وأبوه لم يكن سوى (أبي جهل)، ذلك الرجل الذي طالما حارب النبي صلى الله عليه وآله وكان من أعدى أعداء النبي صلى الله عليه وآله، وقد قال فيه النبي: (إن هذا الرجل – والد عكرمة- أعتى على الله من فرعون) [7] ! لأن فرعون آمن بالله عندما أدركه الغرق وقال: (آمنت)، ولكن هذا الرجل عندما أدركه الموت قال: (واللات)! أي انه أقسم باللات والعزى في اللحظات الأخيرة من حياته، مع ذلك يقول النبي لأصحابه: لا تسبوا والد عكرمة، (... فإن سبّ الميت يؤذي الحي)، وما أن دخل عكرمة على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قام إليه النبي صلى الله عليه وآله واعتنقه، ثم قال له: أنت آمن يا عكرمة، وعندما رأى عكرمة هذه الأخلاق، التي لا تشبه أخلاق الملوك والجبابرة وإنما تعكس أخلاق الأنبياء، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قال: يا رسول الله والله إنك لأوفى الخلق وأكرم الخلق وأبرّ الخلق، وإني مطأطئ رأسي خجلاً منك وحياءً، فاستغفر لي الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله: اللهم إغفر لعكرمة، ثم قال عكرمة: يا رسول الله، دلني على أفضل عمل أعمله، لأكفّر عن الماضي، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: جاهد في سبيل الله، وهو أفضل عمل يعمله المرء في حياته.

فذهب عكرمة، ونقل عنه أنه قام بالانفاق للنبي الأكرم ضعف ما أنفقه أيام الشرك ضده، واشترك في الغزوات وقاتل حتى قُتِلَ في إحدى المعارك في سبيل الله [8] ، وباستشهاد عكرمة تطوى صفحة من صفحات أخلاق رسول الله صلى الله عليه وآله التي قال الله العظيم فيها (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

ولنا صفحة أخرى من هذه الأخلاق العظيمة المتمثلة بصفية بنت حييّ ابن أخطب، وهي امرأة كان أبوها يهودياً، فاعتقها النبي صلى الله عليه وآله ثم تزوّجها، لكن اثنتين من زوجات النبي صلى الله عليه وآله كانتا تؤذيان هذه المرأة، وهنّ اللتان قال الله عنهما في سورة التحريم: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ) [9] ، فكانتا تعيّرانها وتقولان لها: يا بنت اليهودية! فجاءت هذه المرأة ذات يوم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وهي تشكو ما تفعل بها هاتان المرأتان، فتجسدت الحكمة في معالجة النبي لهذا الموقف، فقال النبي لها: إذا قالتا لكِ يا بنت اليهودية، فقولي إن أبي هارون – وكانت هذه المرأة تنتمي إلى هارون- وهارون وصي نبي الله، وعمي موسى كليم الله، وزوجي محمد رسول الله، أفلا يكفيكما ذلك)؟ فحصل أن قالت تلكما المرأتان كلمة التعيير أمام صفية، فأجابت بما أوصاها رسول الله صلى الله عليه وآله فسكتتا وانتهت القضية [10] .

وهذا النوع من المعالجة الحكيمة يجدر أن نتخذها درساً نتعلم منه في بيوتنا لتكون في الوضع الأفضل والأحسن. ينبغي على المؤمنين -أيّدهم الله- الاهتمام بهذه المناسبة من خلال توزيع الكتب المتعلقة بحياة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله على الأولاد والبنات، أو إن تتحدث الأمهات -إذا يتمكنّ من ذلك- حول شخصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، ولمن يتمكن في هذه المناسبة أن يقدم بعض الهدايا لأولاده وبناته، ولا أن تكون بعنوان الهدية المادية، وإنما بهدف إحياء هذه الذكرى في نفوس الأجيال، وقبل كل ذلك ومع كل ذلك وبعد كل ذلك، نصمم على أن نتعلم من رسول الله هذا الخلق العظيم الذي قال الله تعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).


[1] - سورة القلم : 4 .
[2] -  الشيخ الأعظم مرتضى بن الشيخ محمد أمين بن الشيخ مرتضى الأنصاري (  1214 ـ 1281 هـ ) .
 
[3] - من شعر الحماسة لقريط بن انيف العنبري . راجع : خزانة الأدب : البغدادي : ج 7 ، ص 414 .
[4] - الأمالي : السيد المرتضى : ج 4 ، هامش ص 63.
[5] - من شعر للصفي الحلي في وصف أمير المؤمنين (ع).
[6] - الطبقات الكبرى : محمد بن سعد : ج 1 ، ص 363 .
[7] - الأمالي : الشيخ الطوسي : ص 310 .
[8] - بحار الانوار : العلامة المجلسي : ج 21 ، ص 144 .
[9] - سورة التحريم : 4 .
[10] - بحار الانوار : ج 22 ، ص 197 .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شارك الموضوع:

هو الفقيه المقدس آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته) ولد في كربلاء المقدسة سنة 1379هـجرية، النجل الأكبر للمرجع الديني الراحل المجدد الثاني آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (أعلى الله درجاته). نشأ وترعرع بجوار الامام الحسين (ع) فتعلم منه درس الولاء والتضحية والفداء في سبيل الله عز وجل.

بدأ دراسته الأولية في مدرسة حفّاظ القرآن الكريم ثم التحق بالحوزة العلمية في كربلاء المقدسة حيث درس مقدمات العلوم الدينية لدى أساتذتها الكبار. وهاجر بصحبة والده إلى الكويت وذلك بعد الضغوط الكبيرة التي لاقتها أسرة الإمام الشيرازي من قبل طغاة البعثيين في العراق.

كان من أساطين الأساتذة في حوزة قم المقدسة حيث بدأ بتدريس المقدمات والسطوح العالية ومن عام 1408 هـ شرع بتدريس بحث خارج الفقه والأصول على فضلاء الحوزة وكان مستمراً في تدريسه وعطائه العلمي حتى وافته المنية.

وكان قمة في الأخلاق والتواضع والبسمة على وجهه وحزنه في قلبه كما ورد في صفات المؤمنين، تربى في مدرسته العلمية عدد من التلامذة الفضلاء وهم اليوم من المدرسين في الحوزات العلمية في مختلف أرجاء العالم.

ترك محاضرات علمية وأخلاقية عديدة تبث عبر عدد من القنوات الفضائية الدينية، كان لها الأثر الكبير في تحقيق الاستقرار والإصلاح والتسامح في كثير من الأسر والمجتمعات.

 كما ترك كتبا علمية قيمة نال عنها عدة إجازات في الإجتهاد.

توفي في صبيحة يوم الأحد 26 جمادى الأولى من سنة 1429 هجرية الموافق 1/6/2008م في قم المقدسة في ظروف غامضة.

اضافة تعليق