من فكر الفقيه الشيرازي: المؤمن واسع النفس والأفق

شارك الموضوع:

هنالك نفوس صغيرة وهناك نفوس كبيرة، الصغر له مراتب والكبر له مراتب أيضاً

تعتبر سعة النفس من إحدى الفضائل الإسلامية التي يذكرها علماء الأخلاق في كتبهم الأخلاقية من ضمنهم مؤلف كتاب جامع السعادات حيث ذكر أنها ملكة شريفة، العلامة رحمه الله كان يقول ملكة شريفة ليست شريعة لكل وارد ولا يردها إلا واحد بعد واحد وهذه الملكة وهذه الفضيلة من الفضائل الأخلاقية المشكلة والممكنة في الوقت ذاته.

إذا أردنا أن نمثل مثالاً لتقريب الذهن لمفهوم هذه الملكة، الأوعية المعنوية وزانها وزان الأوعية المادية في الأوعية المادية عندنا وعاء يسع لتر من الماء وأكثر من هذا لا يتحمل ليس لديه ظرفية لأكثر من هذا المقدار وعندنا في الوقت ذاته وعاء يسع ملايين اللترات من الماء، المحيطات الكبيرة هذا وعاء وذلك وعاء أيضاً.

 الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه يقول: يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها.

هنالك نفوس صغيرة وهناك نفوس كبيرة، الصغر له مراتب والكبر له مراتب أيضاً، لاحظوا الوعائين هذا الوعاء والمحيط الكبير كم هو التفاوت فيما بينهما؟

يمكن أن نقول أن السعة المعنوية أكبر بكبير من السعة المادية، المادة بالنتيجة مهما كانت فهي محدودة والأشياء المعنوية لا حد لها.

هذا مثال يقرب لنا مفهوم ضيق النفس ومفهوم سعة النفس، ما هي مظاهر هذه الملكة؟

 نحن إذا أردنا أن نعرف أننا نملك هذه الملكة أو لا، الإنسان عنده حالة محاباة الذات فيظن أنه جامع جميع الفضائل هكذا يتصور ويظن أنه الإنسان الكامل، وهذه الملكة وجودها يحتاج إلى مظهر وهذا المظهر هو الذي يدل ويكشف عن وجود هذه الملكة أو عدم وجودها {قل كل يعمل على شاكلته} كأن الآية تريد أن تقول علاقة العمل بالشاكلة هي علاقة المعلول بالعلة وهذا المعلول يكشف وجود العلة ويكشف حدود العلة ليس فقط يكشف الوجود وإنما يكشف الحدود أيضاً، هذه الملكة لها مظاهر النفس الواجدة لهذه الملكة لها صفات:

الصفة الأولى وهي صفة مهمة أن هذه النفس لا تقنع، النفس الكبيرة لا تقنع، طبعاً القناعة في الأمور المادية مطلوبة والقناعة في الأمور المعنوية، هنالك بعض النفوس تقنع بالقليل وهنالك بعض النفوس لا تقنع حتى بالكثير وهنالك أفراد إذا ألف كتاباً واحداً يظن أنه قد أدى وظيفته وانتهى كل شيء ربما لا يقول ذلك باللفظ ولكن هذا واقع شعوره وهنالك أفراد إذا ألّف ألف كتاب يرى أنه لم يصنع شيئاً ليس لأنه يتواضع لا، هذا المطلب جيد لنلتفت إليه، عندما نرى أنه لم يصنع شيئاً هذا ليس تواضع منه، التواضع يعني أنتم أعلم من واحد وهو يعلم أنكم أعلم منه تتواضعون له وتجلسوه فوقكم هذا تواضع وليس هذا تواضع وإنما هذا واقع شعور الأفراد الذين لهم نفوس كبيرة لم تصنع شيئاً، النفوس الصغيرة تلاحظ ذات العمل ألّف عشرين كتاباً وألف مئة كتاب ولكن النفوس الكبيرة تلاحظ نسبة العمل، عندما الإنسان يلاحظ النسبة يجد أنه لم يصنع شيئاً.

في مجال العبادة أولياء الله سبحانه وتعالى حقيقة وليس تظاهراً، هنالك بعض الأفراد يقولون أن هذا تعليم، حقيقة يشعرون أنه لم يصنعوا شيئاً نحن إذا يوم من الأيام قمنا لنافلة الليل فنظن أننا صنعنا عملاً عظيماً بالذات إذا كان هنالك تميز في كيفية العمل أو في كمية العمل يعني واحد أدّى نافلة الليل وكان في حالة بكاء من أول النافلة إلى آخر النافلة أو في ليلة من الليالي فرضنا أنه فرضاً لعله في عمرنا لم نعمل هذا العمل إذا سجدنا من أول الليلة إلى أول الصباح، أو إذا فرضنا في ليلة واحدة لا أعلم إذا في عمرنا فعلنا هذه الليلة الواحدة أو لا أدينا في الليلة الواحدة ألف ركعة، نخاطب الله سبحانه وتعالى إما بلسان القال وإما بلسان الحال يا الله هل في الكرة الأرضية انسان مثلنا يعبد.

أما أولياء الله سبحانه وتعالى كلما يعملون وكلما يفعلون يشعرون أنه قليلٌ قليل، ولذلك هنالك في الرواية ولا تخرجني من التقصير، هذه حالة المؤمن دائماً يشعر بالتقصير أمام الله سبحانه وتعالى، في الآخرة لماذا الأفراد يندمون لأن الحجب تنكشف، {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} ينظر للواقع ويندم، أولياء الله الآن انكشفت أمامهم الحجب.

تلك اليقظة الاضطرارية وهؤلاء عندهم يقظة اختيارية، لماذا نقرأ في الدعاء ولا تنفع، ارتفع الحواريين الأجلاء الذين ارتفعوا وأويس القرني الذي كل ليلة كان يحييها بالعبادة ليلة القيام وليلة الركوع وليلة السجود، ولا ترفعني في الناس درجة إلا حططتني عند نفسي مثلها، يقولون أن ابن سينا، ابن سينا من العباقرة العظام الذين قلّ ما يجود بأمثالهم في التاريخ إلا في فترات متباعدة، الوالد رحمه الله المرجع الأعلى السيد محمد الشيرازي على ما أتذكر يقول إنه تشيع في أخريات حياته على ما أتذكر ويقولون في لحظات الاحتضار كان يقرأ هذا البيت:

نموت وليس لنا حاصلٌ سوى علمنا أنه ما علم

هذه حقيقة شعورنا أنه لم نعلم شيئاً وهذا حقيقة شعوره..

أولياء الله لأنهم يشعرون بهذا القصور الكبير مهما عملوا يحاولون أن يجبروا هذا القصور بالاستغفار من الله ولذلك لعله النبي صلى الله عليه وآله يقول في ما روي عن إني لأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة.

الصفة الثانية أنها لا تجزع، نحن معرضون في حياتنا لمشاكل والنفس الصغيرة مثل كوب من الماء ممكن أن تضعوه في حصاة صغيرة فيتفايض والنفس الكبيرة مثل البحار إذا تضعون فيها ألوف الأطنان لا تتفايض هنالك بعض الأفراد بمشكلة صغيرة ينهار لا تحميل وهنالك بعض الأفراد هذا من مظاهر النفس الكبيرة كلما ترد عليها المشاكل وكلما ترد عليها المتاعب والمصاعب تمتص هذه المشاكل، هذا هو المظهر الثاني.

 الصفة الثالثة أنها لا تمنع،  والصفة الرابعة أنها لا تخنع، والصفة الخامسة أنها لا تفزع، هذه مجموعة من صفات النفس الكبيرة، أنها لا تقنع وأنها لا تجزع وأنها لا تمنع وأنها لا تخنع وأنها لا تفزع.

 بالإضافة لسعة النفس الإنسان ينبغي أن تكون له سعة الأفق، إذا أردنا أن نستخدم التعبير المنطقي بين سعة النفس وسعة الأفق عمومٌ قد يجتمعان وقد يكون هذا دون ذاك وقد يكون ذاك دون هذا وقد يرتفعان كما هو الغالبية.

سعة النفس ترتبط بالظرفية وبالاستيعاب وسعة الأفق ترتبط بالرؤيا، هنالك بعض الأفراد أفقهم ضيق، الأفق الضيق تحدد أبعاده المألوف على قول ذلك الشاعر:

ولقد أبصرت أمامي طريقاً فمشيت   فسأبقى سائراً إن شئت هذا أو أبيت

جاء رجل في مضمون الرواية إلى أحد الأئمة صلوات الله عليهم وقال أنا بيتي صغير الإمام قال له: كبّره أو استبدله ببيت كبير، فقال: هذا بيت أبي والبيت الذي ورثته من أبي، الإمام قال كلمة وأنا أستبدلها، قال: الأب إذا كان لا يفهم أنت أيضاً لا تفهم.

الإمام قال كلمة حادة لتبقى في التاريخ، الأب لم يكن يفهم كان يعيش في بيت ضيق أنت أيضاً لا تفهم، البيت الضيق يورث الكآبة أما إذا الانسان لايستطيع، البيت الضيق يتنازعون فيه ليس لديهم أفق .

 يعيش في بيئة معينة ونمط هذه البيئة يحدد فكره، نحن عندنا سجن في الخارج، الانسان  يسجن فيه وعندنا سجن آخر في البيت هذا أسوأ من الأول لأن السجن الخارجي ربما تفتح أبواب السجون ويخرج فقط هذا السجن الذي فرضه على داخله لعله من الصعب أن يخرج منه، ليس كلامي في الأشياء الثابتة أو في القيم الثابتة بل الكلام في التطبيقات فنحن ولدنا في هذه الأرض يجب أن نعيش في هذه الأرض الدين يرفض هذا المنطق أنت عشت في منطقة ثم جارت عليك المنطقة اخرج واذهب، الله سبحانة وتعالى  خالق هذه البقعة الجغرافية فقط؟ هذه أرض الله فقط تلك أليست أرض الله؟.

 أغلب الأفراد ليس لديهم دور لماذا ليس لديهم دور لأن أفقه ضيق يعيش في هذه المنطقة وهذه المنطقة ليس فيها أفق الشيء الذي يجب أن يقوم به أنه يقوم بعمل متواضع لأن أكثر من هذا لا يمكن المشكلة الكبيرة التي توجد عند بعضنا أنه لا يملك أفقا واسعا.

 قبل خمسمائة عام رجل يعيش في قم أحمد القمي ليس الآن الذي المواصلات محدودة كيف يفكر أن يقوم ويذهب إلى تايلاند قبل خمسمائة عام تقريباً يذهب إلى تايلاند ويتزوج بتايلاندية ويتدرج ويتدرج حتى يصبح وزير الداخلية في تايلند ووزير التجارة الخارجية.

الآن المسلمين في تايلند يدينون لهذا الرجل أحمد القمي يدينون له بالفضل هذا أفق، فتح أفقاً جديداً.

 في منطقة أحمد آباد في كجرات في الهند، رجل باسم الملّا علي لا بد أنه كان انسانا مثلنا، كان يفكر كيف يجعل الناس الكفار مسلمين في تلك المدينة، كيف؟ يفكر لاحظوا هذا التفكير الذي كان عندنا قديماً، أكبر شخصية علمية لهؤلاء الكفار يفكر أن يؤثر عليه هل ممكن؟  تذهبون لمنطقة وتنظرون من أكبر علماء المسيحيين وتحاولون أن تؤثرون عليه انظروا كيف سعة الأفق.

 ذهب وتعلم اللغة الملّا علي، اللغة التي كانت في تلك المدينة ولا يعرف دينهم أخذ يدرس كتبهم الدينية ويرى ما هي الثغرات في هذا الدين الوثني، تصادق مع ذاك العالم، كبير علمائهم تصادق مدة طويلة لأن هذه الأشياء التحول فيها ليس تحولا هيِّناً، هذه القضية قبل حوالي ثلاثمائة عام إلى أن قليلاً وقليلاً أقنعه بالإسلام فأصبح مسلماً كبير علماؤهم بعد ذلك هذا التحول أخذ يتموج ويتموج ويتموج إلى أنه رئيس الوزراء بعد فترة أسلم في تلك المنطقة، الملك يبدو أن القضية كانت تتم في الخفاء، الملك بلغه أنباء أن رئيس وزراءه قد أسلم فغضب وارسل  الملك رئيس الوزراء في بيته حتى ينظر اتفاقاً رئيس الوزراء في لحظة مداهمة الملك كان في حالة ركوع وهو يصلي امسك به في الجرم المشهود، قال: ماذا تفعل فقال: أنا أبحث عن عصا حتى أقتل حيةً سوى تقية، ملوك القديم كانوا يقتلون فوراً، من لطف الله سبحانه قال الملك أين الحية، من لطف الله نظر إلى زاوية الغرفة وإذا بحية فقال هذه الحية، الملك اقتنع بذلك، بعد ذلك قليلاً وقليلاً بعد فترة وإذا بالملك يسلم أيضاً وكل تلك المنطقة تتحول إلى الإسلام.

نحن دائماً ينبغي علينا أن نكون في حالة التطلع، وسعة من الأفق فإذا ذهب الإنسان إلى ذلك العالم لا يقول يا حسرتاه على ما فرّط في جنب الله، طبعاً كل إنسان يقول هذا الكلام من أمثالنا ولكن حسرته تكون أقل.

نحن ينبغي علينا أن نحاول أولاً أن نوجد في أنفسنا سعة النفس وثانياً أن نوجد في نفوسنا سعة الأفق، هناك روايات كثيرة حول سعة النفس وعلو الهمة، لا تفكرون أنه أربعة تهدونهم إلى الحق بل فكروا مليون واحد تهدوه إلى الحق في حياتكم وفكروا عشرة ملايين وفكروا كيف تهدون مئة مليون واحد فكلما الهمة تكون أعلى هذه خير الهمم.

عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: قدر الرجل على قدر همته إذا أراد أن يعرف قدره فيجب أن يلاحظ حجم همته  دائماً وأن يعيش مع الأفراد الذين همتهم رفيعة وإذا عاش مع الأفراد السلبيين والمثبطين والمبطّئين على قول القرآن الكريم {وإن منكم لمن ليبطؤن} قليلاً وقليلاً يصبح مثلهم، المتثاقلين {إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض} .

في دعاء الإمام زين العابدين صلوات الله عليه، يسأل الله تعالى مطالب ومنها: ومن الهمم أعلاها..

حاولوا أن تكونوا أعلم العلماء، وأن تكونوا أفضل العابدين، وأن تكونوا أنجح العاملين، أعلاها هذا الذي هكذا، يفكر بالنتيجة يصل إليه أو دونه ومن الهمم أعلاها.

المصدر: محاضرات سماحة السيد محمد رضا الشيرازي قدس سره
شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق