المرض النفسي.. خفايا وأسرار

61 2019-03-10

وسط كل هذا الوصم الاجتماعي والأحكام الأخلاقية المحيطة بالمرض النفسي، التي تؤرق المصابين به وتسهم في صعوبة اعتراف بعض ممن يعانونه أصلًا بأنهم بحاجة إلى استشارة مختص، تستهلك رحلة البحث عن الطبيب النفسي المناسب وقتًا وجهدًا كبيرين.

حتى في حالة الذهاب إلى طبيب نفسي، يظل المريض يعاني توترًا وقلقًا دائمين نتيجة شعوره بأنه محاصَر بكل تلك الأساطير المنتشرة حول طبيعة العلاج النفسي، خصوصًا المتعلقة بتناوله الأدوية، وكشف تفاصيل شديدة الذاتية عن حياته لشخص غريب.

كل هذا يعوق العملية العلاجية، ويفسد أهم ما تقوم عليه في الأساس، وهي ثقة المريض في ما يحاول الإقدام عليه ومدى جدواه. لذا، محاولين استكشاف أهم تلك الأفكار والانطباعات، إليك إجابات عن بعض الأسئلة التي قد تخطر ببالك وأنت تقرر ما إن كنت على استعداد لزيارة طبيب نفسي، أم لا.

س: ما الدواء النفسي؟

ج: دواء مُرخَّص، له تأثير في الناحية الشعورية والنفسية لمتعاطيه. يصفه الطبيب بغرض إحداث تأثير في تخليق المواد الكيميائية في المخ والجهاز العصبي وتفكيكها، ومن ثَمَّ إحداث تغييرات على كيمياء المخ عمومًا، وتحقيق الهدف العلاجي.

ظهرت الأدوية النفسية لأول مرة في منتصف القرن العشرين. منذ ذلك الحين، أصبحت واحدة من أهم الطرق العلاجية لعدد من الأمراض النفسية.

س: ماذا لو لم أرغب في تناول دواء نفسي؟

ج: شهد علم الدواء النفسي تطورًا كبيرًا، مصاحبًا لزيادة معرفتنا بطريقة عمل المخ ودور الهرمونات العصبية، مثل «الدوبامين» و«السيروتونين»، في ظهور الأعراض المرضية، كأعراض الذهان والتوتر والاكتئاب.

يرجع قرار احتياج المريض للدواء إلى الطبيب المختص الذي يتابع الحالة، وهو الوحيد القادر على تقييم الأعراض و خطورتها على المريض ومن حوله، بناءً على البروتوكولات العلاجية المعتمدة بالطبع.

س: هل بإمكاني تجربة العلاج النفسي أولًا قبل العلاج الدوائي؟

ج: كثيرون يسألون في العيادة: لماذا لا نجرب الجلسات النفسية أولًا، وإذا لم تنجح نلجأ إلى الدواء؟

الخيار بين الاثنين خيار علاجي، فلا يمكن مثلًا أن نرجح العلاج النفسي أولًا في حالات الاضطرابات العقلية الكبرى، كالفصام والاضطراب الوجداني ثنائي القطب، بينما لا يمكن أن نلجأ إلى الدواء أولًا في حالات اضطرابات الشخصية والاكتئاب البسيط. وكثيرًا ما تُستخدم الطريقتان معًا للوصول إلى نتائج أفضل وأسرع.

س: جميع الأدوية النفسية ليست سوى مهدئات فعلًا؟

ج: كثير من الأدوية النفسية من بين أعراضها الجانبية فرط النوم، خصوصًا في بداية تعاطيها.

عادة ما تكون هذه هي الأعراض الجانبية لعدد من مضادات الذهان (الذي يُستخدم في علاج الأمراض العقلية الكبرى) وبعض مضادات الاكتئاب، لكن التطور الذي يشهده علم الأدوية النفسية جعلنا على معرفة بتأثير الدواء في المستقِبلات العصبية في المخ، ما يُحسِّن الأعراض الجانبية والتعامل معها.

هناك أدوية خاصة لأعراض القلق والتوتر، وأدوية خاصة بالاكتئاب، وأدوية تعمل مثبتات للمزاج، ما يعني أن الفكرة القائلة بأن الأدوية النفسية ليست سوى مهدئات مجرد أسطورة، ومع الوقت تظهر عقاقير أكثر كفاءة وأقل في أعراضها الجانبية.

س: متى أتوقف عن تناول الدواء؟

ج: حسب الحالة المرضية.

في الحالات البسيطة، يرتبط تناول الدواء بزوال الأعراض التي يعانيها المريض ونجاح العلاج.

لكن عددًا من الأمراض العقلية الكبرى (الفصام مثلًا) لا يمكن التوقف عن تعاطي أدويتها، رغم التطور الهائل في علم الأدوية النفسية. في هذه الحالة، يصبح هدف العلاج الدوائي السيطرة على الأعراض، لا العلاج الكامل، ومن ثَمَّ إتاحة الفرصة للمريض للتعايش مع مرضه، تمامًا كأي شخص يعاني مرضًا مزمنًا مثل الضغط أو السكر، الذي يلزم أن ينتظم في علاجه لتستقر حالته، فإذا أهمل الدواء تدهورت الحالة.

س: متى تبدأ الأعراض في التحسن بعد تناول الدواء؟

ج: الأدوية النفسية بطيئة المفعول مقارنةً بغيرها. قد تتطلب مضادات الاكتئاب مثلًا أسبوعين ليشعر المريض بتحسن أعراضه، فيما ربما تتطلب مضادات الذهان نحو ثلاثة أسابيع للتحسن. على الطبيب أن يشرح للمريض دائمًا الخريطة الزمنية المقترَحة بمفعول الدواء.

س: هل الجلسات الكهربائية ضمن العلاج النفسي أيضًا؟

ج: مع الأسف، وقعت جلسات تنظيم إيقاع المخ ضحية تأثير الدعاية السلبية للدراما، التي دأبت على تقديمها كأنها عقاب لا علاج، ما يحرم كثيرين من فوائدها بسبب ذعرهم من تكرار المشاهد السينمائية التي نألفها.

الجلسات الكهربائية علاج مثالي لعدد من أعراض الاكتئاب النفسي الجسيم (خصوصًا المصاحب بأفكار أو محاولات انتحارية) والتهيج النفسي الشديد، وهي إحدى طرق علاج السيدات الحوامل، اللاتي يشكل الدواء خطرًا على حملهم. تجري الجلسات تحت تأثير التخدير فلا يشعر المريض بها، ولها نتائج ممتازة.

رؤساء ومشاهير عانوا من الجنون والأمراض النفسية

في سياق الحديث عن المرض النفسي نستعرض هنا مجموعة من المشاهير قد عانوا من هذا الداء العضال،  فلقد كان أحد القادة يبكي كثيرًا أمام حكومته بدون أسباب حتى يبدأ في الضحك بدون سبب أيضًا، ومنهم من كان يتخيل أن جسده مصنوع من الزجاج ويخاف أن يهشمه أحد، ليس فقط بل أيضًا هناك بعض العلماء العظماء كانوا يعانون من أمراض نفسية دفعتهم للانتحار، ونستعرض خلال هذا التقرير، أشهر 10 رؤساء وعلماء كانوا "مجانين" بالمعنى الحرفي للكلمة. 

- إبراهام لينكولن

هو الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية، كما أنه من أنجح رؤساء أمريكا على مر التاريخ، نتيجة للإنجازات العديدة التي حققها أثناء فترة ولايته. 

وعلى الرغم من ذلك، فإن "لينكولن"، كان مصابًا بالاكتئاب المُزمن، والذي كان مختلف عن أي شخص أخر، حيث أكد العديد من المؤرخين الذين كتبوا عن فترة رئاسته لأمريكا، أنه فكر مرارًا في الانتحار.

كما كتب بعض المؤرخين أيضًا أنه كان يبكي فجأة دون سابق إنذار وبدون أسباب، ثم بعد ذلك يقوم بإطلاق النكات الفكاهية حتى يضحك ويوازن ما شعر به من حزن.

- أدولف هتلر

الزعيم النازي الذي حاول أن يطلي أوروبا باللون الأحمر، ومن المؤكد أنه لم يكن شخصية سوية، حيث نشأ في أسرة فقيرة وأمه كانت تعمل خادمة عند أحد اليهود الذي كان يشبعها ضربًا أمام أطفالها فكانت الشرارة الأولى التي عززت داخله الكره لليهود.

بالإضافة لقسوة والده عليه الذي كان يعاقبه بحبسه في غرفة صغيرة، لتولد بداخله فوبيا من الأماكن الضيقة، دفعته مرة إلى محاولة الانتحار أثناء خدمته في الجيش، وذلك عندما وجد نفسه فجأة في خندق صغير.

- لودفيج فان بيتهوفن

واحدًا من أعظم من لمست أيديهم الآلات الموسيقية، "بيتهوفن" ، من منا يعلم نشأة هذا العبقري، من منا يعرف أنه عانى قهرًا طويلًا وتعذيبًا شديدًا على يد والده؟

بيتهوفن فقد حاسة السمع فى مراحل متقدمة من حياته، وأرجع بعض الأطباء هذا إلى التعذيب الذي تعرض له من والده.

وكان بيتهوفن يعاني من اضطرابات نفسية عنيفة، جعلت الإبداع والطاقة والتركيز والروعة التى يُنتجها فى الموسيقى، يقابلها حالات اكتئاب مزمن وحزن دائم.

ولم يستسلم العبقري لهذه الحالات النفسية، ولكنه واجهها بـ"المخدرات" والكحول، ما زاد الاضطرابات عنده، وأدت إلى معاناته الدائمة حتى الموت مع الاكتئاب. 

- اسحاق نيوتن

أحد أعظم العقول البشرية على الإطلاق، لدرجة تصنيفه ثاني أعظم شخصية فى التاريخ بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، من قبل بعض المؤرخين الكبار.

ولم يسلم المنظّر الأول لقانون الجاذبية وقوانين الحركة، ومخترع أول تيليسكوب عاكس، من الاضطرابات النفسية العنيفة، والتي حوّلته فى نظر الكثيرين إلى مجنون حقيقي.

حيث كان من الصعب جدًا الجلوس فترة طويلة معه، فكان متقلب المزاج إلى حد كبير، وسريع الانفعال وشديد الغضب وكذلك ضيّق الأفق، كما كان يتحدث مع نفسه كثيرًا بصوت عال، ويُخاطب أشخاص وهمين غير موجودين.

- إرنست هيمنجواي

إرنست هيمنجواي هو أديب أمريكي كبير حائز على جائزة نوبل للآدب في العام 1954، وأحد أشهر كاتبي الروايات في الولايات المتحدة والعالم، كما كان الكاتب الأعلى سعرًا فى زمنه على الإطلاق.

كان هيمنجواي ضحية دائمة للإكتئاب وإدمان الكحوليات، ومات مُنتحرًا بطلقة رصاص من بندقيته التي كان يحتفظ بها دائما ويعتز بها، وهو المصير ذاته الذي لقاه والده وأخوه وأخته، الذين ماتوا جميعًا منتحرين.

والحقيقة أن هيمنجواي كان من أكثر الشخصيات التاريخية غرابة على الإطلاق فقد كان يكره شراء ملابس جديدة، ويرفض تمامًا أن يرتدي ملابس داخلية!، وكان يرهب استعمال الهاتف جدًا، ويحمل تعويذة فى جيبه دائمًا، وكان من المستحيل أن يكتب كلمة واحدة يوم الأحد تحديداً لسبب مجهول.

ما أسباب الاضطرابات النفسية؟

تجيب على السؤال الدكتورة غادة مراد مدرس التمريض النفسي والصحة النفسية بكلية التمريض بجامعة عين شمس قائلة: المرض النفسى هو اضطراب وظيفى في الشخصية نفسي المنشأ يبدو فى صورة أعراض نفسية وجسمية مختلفة ويؤثر فى سلوك الشخص فيعوق توافقه النفسي، ويعوقه عن ممارسة حياته السوية في المجتمع الذى يعيش فيه.

ويضيف المرض النفسى أنواع ودرجات فقد يكون خفيفا يضفي بعض الغرابة على شخصية المريض وسلوكه، وقد يكون شديدا حتى قد يدفع المريض إلى القتل والانتحار وتتباين أعراض المريض النفسي تباينا كبيرا من المبالغة في الإعاقة إلى الانفصال عن الواقع والعيش في عالم من الخيال.

ويتوقف علاج المرض النفسى على نوعه ومداه وحدته وتعالج بعض الحالات بزيارات منظمة لأحد المعالجين النفسيين، بينما بعض الحالات تحتاج إلى العلاج بالمستشفى.

من الصعب تحديد أسباب الاضطرابات النفسية كما تقول الدكتورة غادة مراد، فهناك عدة عوامل تلعب دورا هاما فى حدوث الأمراض النفسية وقد تكون الأحداث المؤلمة سببا رئسيا فى حدوث المرض النفسي ومن هذه العوامل:

العوامل الوراثية: إن العوامل الوراثية في المرض النفسي أصبحت الآن حقيقة مثبتة فإن الخطر يزداد فى حالة التوائم ودراسة الأسر أثبتت ذلك، فدراسة التوائم أثبتت أن العامل الوراثي يلعب دورا هاما فى حالات الفصام، اضطرابات المزاج.

كما أن هناك عوامل نفسية تؤثر على الفرد منذ الميلاد وتستمر معه مدى الحياة، ويكون للأم والأب والأخوة تأثيرا كبيرا في تطور نفسية الطفل ولكن حدوث أي خلل في أي مرحلة قد يؤدي إلى حدوث المرض النفسي طبقا للمرحلة التي حدث بها الخلل ونوع وشدة هذا الخلل.

العوامل الجسدية:

من العوامل المؤثرة في المرض النفسى العوامل الجسدية فأن الاختلاف الطبيعي في الحالة العضوية أو التغيرات التي تحدث نتيجة لمؤثرات خارجية مثل الضغوط ربما يكون لها دورا في حدوث المرض النفسي.

أما العوامل الاجتماعية فلها تأثير في الاضطرابات فهناك ظواهر اجتماعية مثل الهجرة والبطالة والعنف والحروب والتغيرات المجتمعية والكوارث الطبيعية.

عوامل عائلية:

ويأتى في النهاية العوامل العائلية فاحتمال وجود تأثير أسرى في حدوث المرض النفسى يدل على وجود خلل في الأسرة.

المصادر:
منشور
حكايات حياة
اليوم السابع
للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز