الشَّبع المُؤقتْ

471 2019-06-25

عندما كنتُ صغيراً في مرحلة الابتدائية كنتُ أرجِع مِنَ المدرسة أُهرول باتجاه أمي، أُمسك بطرف ثوبها وهي واقفة في المطبخ تطهو الطعام في حرّ الصيف بعد الظهيرة، أُخبرها بأنَّني أودّ الذهاب في الرحلة المدرسية الّتي أعلنَ عنها الأستاذ في الطابور صباح اليوم، تظلُّ والدتي تخبرني بأنْ أنتظر قليلاً حتَّى يأتي والدي لتُعرض عليه الأمر، في ذلك التوقيت لمْ تكن لديّ طاقة للصبر، وإنْ كانتْ لديّ ذرة منه فأعتقد أنها تتبخر مع حرّ الصيف وخصوصاً في وقت الظهيرة.

عندما أُلاصق والدتي وأظلُّ أبكي بجوارها وأُزعجها تصرخُ في وجهي وتبعدني عَنِ المطبخ، أُعاود الالتصاق بها مرةً أخرى فتبعدني للمرة الثانية، فأعود للمرة الثالثة فتبعدني، وعندما أصرّ على مطلبي وأنا قد قلَبْت البيت رأساً على عقب بسبب صراخي تتنهّد والدتي وتُحاول أن تلطف الجو وتُلهيني.. تدخل للغرفة المجاورة التي بها ألعابي فتأتي بلعبتي المفضلة وتسمح لي باللعب بها قبل أن أُنهي واجباتي الدراسية، أو ربَّما تفتح الحاسوب وتسمح لي بالجلوس عليه وممارسة الألعاب الَّتي أُريدها دون تحديد وقت معين كما في الأيام السابقة.

لسذاجتي أقع في الفخّ وألتهي باللعب باللعبة المفضلة الَّتي ستظلّ موجودة إلى ما بعد انتهاء الرحلة المدرسية، أو أتناسي الرحلة عندما أندمج مع ألعاب الحاسوب وأحاول الانتصار فيها، هكذا يكون الشَّبع المُؤقت، تنامى معنا مُنذ الصغر وكبر تدريجياً واتَّسع بانخراطنا داخل المجتمع.. العالم الخارجي.

الشَّبع المُؤقت هو أن تترك أحلامك لأجل راحة مؤقتة تنتهي بعد مدَّة ربَّما لا تتجاوز بضع دقائق، وربما تكون طويلة نسبياً، ولكنها في النهاية تنتهي، وتكون قلوبنا غير راضية ونحن نمارسها، أن تتمتع بساعة أخرى تنام فيها صباحاً لتستيقظ وقد أضعتَ يوماً من أيام العمل، فالنوم في الصّباح هو شبع مؤقت له لذّة يتمتع بها الجسد لكنه بالكاد يدوم لدقائق معدودة، تستيقظ بعدها فتلوم نفسك على هذه الساعة الّتي ربما تضيع بقيّة يومك بالكامل.

جميع حياتنا بمجالاتها المختلفة كذلك، أن تتمتع بملذّات الطريق قصيرة العمر الّتي لا تجعلك راضياً عن حياتك ولا تُعطيك ما تريد فتنشغل بها عن الأهداف الاسمى والأحلام الّتي لطالما راودتك لشيء يستحق الحزن الشديد، ستحزن على نفسك وتتمنّى أن تعود بكَ الحياة لتنتظر وتصبر وتُعرض عن الشهوات المؤقتة مقابل الحصول على ما يشبعكَ حدَّ الكفاية في نهاية المطاف.

إذا تمعّنتَ في مرحلة طفولتي أثناء وقوعي في فخّ والدتي، ستجد أنّني قدْ رضيتُ بالشّبع المؤقت من اللعبة المفضلة لديّ على أن أنتظر لأحصل على الموافقة كي أُرافق أصدقائي في الرحلة المدرسية، وكذلك حصولي على الشّبع المؤقت قد جعلني أتناسى مذاكرة دروسي فربما أرسب في نهاية العام لأنّني لم أسيطر على رغباتي وتجاوزتُ الوقتَ المحدّد للعب على الحاسوب.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز