ملتقى المودة للحوار يناقش: أخلاق التقدم وتقدم الأخلاق

915 2020-01-12

قال المولى أبي الحسن صلوات الله عليه: "لو كنا لا نرجو جنة ولا نارا ولا ثوابا ولا عقابا، لكان ينبغي لنا أن نطالب بمكارم الأخلاق فإنها مما تدل على سبيل النجاح".

أقامت جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية ملتقى المودة التي كان تحت عنوان: أخلاق التقدم وتقدم الأخلاق، في مقر جمعية المودة بتاريخ: 24/12/2019.

حضر الملتقى مجموعة من الكاتبات والناشطات وحضور سماحة الشيخ مرتضى معاش، وأدارت الحلقة مروة ناهض/عضوة في جمعية المودة والازدهار حيث بدأت قائلة:

يكاد يتفق الجميع على أن الأخلاق هي المنهج الفريد والأمثل لتقويم المجتمع وصلاحه وبالتالي السير به نحو مدارج النجاح بمختلف أبعاده وأطيافه. ويدل على ذلك الآية الكريمة التي تنطق عن الرسول الكريم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

ومن ضرورات وسمات المجتمع الناجح ومقوماته الأصيلة الأخلاق، ومع هذه الظروف الراهنة ومع الحروب والمشاكل باتت الأخلاق مصابة بمرض جعلها تعتل مما أدى إلى انهيارات خلقية، لتنهار من بعدها بقية المنظومات.

وطرحت على الحضور السؤال التالي: كيف يمكن لتقدم الأخلاق أن يؤدي إلى حل الأزمات السياسة والاجتماعية والثقافية وتطور النظام الاجتماعي؟.

زينب صاحب/ مديرة جمعية المودة والازدهار قالت: يقول أحد العلماء أن الانسان زائدا الأخلاق يصبح رقم واحد، هذا الواحد إذا اضفنا له الجمال، يصبح عشرة، ومع المال يصبح عشرة آلاف وكذلك الثروة والعلم وهكذا، وإذا انعدم الرقم الواحد أي الأخلاق، تصبح بقية المفاهيم بدونها صفرا.

هذه وإن كانت معادلة رياضية إلا إنها تبين أهمية الأخلاق ومفاهيمها مثل الصدق، الاخلاص، الاتقان، الانصاف وعليه كلما زاد مؤشر الأخلاق سيزيد مستوى العمل كذلك، سواء كان سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي. فالمعلم والأب والأم والسياسي إذا اتصفوا بالصدق مثلا وهي صفة واحدة ومع ذلك ستساعد على تقدم المجتمع.

وكذلك من سعادة المرء هو حسن الأخلاق. فإن لم يحصل المرء على شيء من مال أو جاه وإن لم يملك إلا الأخلاق فسوف يشعر بالسعادة.

جنان الهلالي/ كاتبة، قالت: الأخلاق هي قاعدة لبناء كل الشعوب، فإذا انبنت الأخلاق سوف يزدهر الشعب ويتطور المجتمع، ومن المفترض أن تُدّرس الأخلاق وتكون ضمن المناهج الدراسية، فهناك دول أجنبية يدرسون الأخلاق لطلابها في مدارسها، بينما أهملنا في بلادنا هذا الدرس المهم، حتى مادة الاسلامية تدرس بصورة مختصرة، فعلى المعنيين أن يراعوا أن هذا الجيل والذي يختلف عن جيلنا.

مروة حسن/ كاتبة قالت: إذا أردنا أن نعكس المعادلة، فالسلك الساخن مع الساخن والبارد مع البارد لن يولدا الكهرباء، فالمجتمع لم ينهار بين ليلة وضحاها بل كانت هناك مؤهلات لهذا الانهيار، من الأسرة إلى الدولة فنحن من كل النواحي نعاني من عدم تقدم الاخلاق.

منار قاسم/ ناشطة اجتماعية قالت: الاخلاق في وقتنا هذا باتت صفرا، سواء كانت أخلاق سياسية أو اجتماعية، رغم محاولة الورش التي تقيمها بعض المؤسسات ، إلا أن تطبيق الأخلاق معدوم، فباتت العلاقة بين الشارع والمؤسسة ضعيفة، وحل هذا هو أهمية الدعم من قبل المؤسسات ومن جميع النواحي للشباب، لأن الفجوة بينهما أصبحت كبيرة، فنحن اليوم بحاجة لمن يحببنا بالدين وليس من يرهبنا منه.

 ولاء عطشان/ كاتبة قالت: الله تعالى عندما مدح الرسول مدحه بالخلق، فقال عنه: "وإنك لعلى خلق عظيم". وبدأت محاربة الاسلام من هذا الباب، فأبعدوا الناس عن الخلق الأصيل، وأخذوا من الأخلاق المستوردة ومنها المداراة وحقوق الانسان وهذا كله بالأصل موجود في الاسلام، لكن بدأوا يبعدون الناس ويشوهون صورة الاسلام وعلى مدى سنوات، وقد مثل اهل البيت الاخلاق العالية أفضل تمثيل، وإن شاء الله بتضافر الجهود والرجوع إلى الاسلام الصحيح تعود وتنتشر الأخلاق المحمدية الأصيلة.

رقية تاج/ كاتبة: من الناحية السياسية إذا كان كل حاكم أو مسؤول يلتزم بالأخلاق وإن لم يلتزم بالدين من منطلق العبارة التي تقول: كافر عادل خير من مسلم ظالم، فسوف يعدلون بين الناس ويعطونهم حقوقهم، فالذي يتحمل مسؤولية الحكم إن كان على قدر هذه المهمة سيتقدم الشعب، فالناس على دين ملوكهم.

من الناحية الاجتماعية وبدءا من دائرة الأسرة إذا كان هناك طاعة وتعاون واحترام سينجح أفرادها بكل تأكيد، ومن الناحية الدينية يذكر الامام السجاد في دعاء مكارم الأخلاق: "اللهم بلغ بايماني أفضل الايمان واجعل يقيني افضل اليقين وانته بنيتي إلى احسن النيات"، فالتدرج هنا مقصود، وذكر الامام مفردات كأفضل وأحسن لكي يصل بالانسان إلى مدرج الكمال.

اسراء فتلاوي/ كاتبة قالت: هناك اتفاق حول قيم معينة وهي معايير ثابتة تمثل سمات الشخصية، فالانسان يجب أن يتعامل مع الآخر مثلما يحب أن يعاملوه، والنقطة الثانية هي أهمية معالجة التخلف فالانسان اذا أراد ان يتغير عليه أن يجاهد نفسه.

ضمياء العوادي/ مدرسة: الأخلاق بطبيعة الحال موجودة بالفطرة، فطرة الله التي فطر الناس عليها، عادة الانسان لو يترك نراه يحتضن الآخر ويساعده، فأخلاقه في فطرته، المرحلة الثانية هي المرحلة الاكتسابية، الطفل هنا يكتسب من العائلة ثم من المجتمع، من المؤثرات أيضا اختلاف ثقافة الأجيال، طفل اليوم كثير السؤال ويحب أن يعرف العلل للأشياء والعلل للمنع، نحن نأتي ونقول له لا تكذب، الأب والأم لا يعطون عللاً عن سبب عدم الكذب والضرب والخطأ.

من المفترض أن نقدم القدوة الصالحة، فطريق النمذجة هو الأفضل، وفي السياسة أيضا لا نملك القدوة، فلم يعد لدينا قناعة بأحد، وعلى مستوى المجتمع كذلك فهو مجتمع مادي، مما أدى إلى نشوء جيل ثائر على دينه وعلى قيادته وعلى نفسه.

الشيخ مرتضى معاش/ رئيس مجلس ادارة مؤسسة النبأ للثقافة والاعلام شارك برأيه قائلا:

يقول الله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا...). هذه الآية من الآيات العظيمة، فيها خصوصية، ونستطيع أن نعتبرها من آيات النهضة وآيات التطور، لماذا، لأنها تعلمنا كيف نستطيع أن نصنع أمة متألقة وناجحة.

فالوسطية تعني الاعتدال والتوازن والانسجام مع لغة الكون، وعندما لا يحدث الانسجام معه يحدث الاختلال الذي يُنتج الأزمات، فالخروج عن الوسطية هو خروج عن التوازن المطلوب، فيكون لدينا إما التطرف والتشدد أو الانحلال وكلها تؤدي إلى كوارث، والآية القرآنية تؤكد على بناء النموذج الصالح (لتكونوا شهداء على الناس)، عبر الاستمداد من سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) النموذج المطلق في الانسان الصالح.

نحتاج وسطية من خلال السلوك الاجتماعي الصالح، بناء الحكم الصالح والرشيد هو بناء النماذج الصالحة في المجتمع، يصف الله تعالى في كتابه النبي قائلا: "وانك لعى خلق عظيم" وهذه فيها أكثر من تأكيد، فالخلق العظيم هو الذي أدى إلى هداية الناس للاسلام فدخلوا في دين الله افواجا، وكما ان القرأن الكريم هي معجزة الله سبحانه وتعالى، فان اخلاق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم) هي معجزة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) التي خلقت الانتصار والقوة والهداية وجعلت الناس يدخلون في دين الله افواجا.

فلا يوجد تقدم من دون أخلاق، أول آية في القرآن الكريم هي: بسم الله الرحمن الرحيم، إذن كل شيء مؤطر في إطار الرحمة، إن اليوم السياسة بلا رحمة والاقتصاد بلا رحمة وبلا أخلاق وهذا هو الرأسمالية المتوحشة، فنحن نعيش أزمة ولابد أن نرجع للبناء الأخلاقي، فالتدين أساسه العقيدة لكن تطبيقه أخلاقي، ومداراة الناس نصف الدين، فالدين في جوهره وأهدافه تكامل بين العقائد والأخلاق.

السؤال الثاني:

ماهي القيم الأخلاقية التي تساهم في عملية التقدم؟

زينب صاحب أجابت عن السؤال قائلة:

كلنا سمعنا عن الفيلسوف أفلاطون والمدينة الفاضلة، نحن باعتقادنا أنها ستكون في زمن الامام المعصوم، نحن لا نستطيع أن نؤسس هذه المدينة، لكننا نحاول أن نبني من كل أسرة ونجعلها مدينة فاضلة، وهنا تأتي أهمية الابتعاد عن الأنانية واحترام الآخر والتواضع.

هناك حديث جميل عن أمير المؤمنين يقول: اقيلوا ذوي المروءات عثراتهم فما يعثر منهم عاثر إلا ويد الله بيده يرفعه.

فهنا الامام يشجع على التسامح والعفو وعدم تصيد الاخطاء وأن لا ينسى الايجابيات.

جنان الهلالي قالت:

الأهم من كل هذا هو تعزيز العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد وأول خطوة نبدأ بها هي من البيت والأسرة عن طريق اشاعة روح التكافل فالانسان اذا كان جائعا لا أستطيع أن أنصحه وأحثه على الأخلاق والدين، فبدل أن أقدم له باقة ورد علينا أن نشبعه، والمثل بعد ذلك سوف تتعزز أكثر وهو سوف يبني المجتمع في هذه الحالة.

حنين حليم قالت:

السؤال يدعو الانسان للتفكر بالموضوع، فيجب أن يبدأ الانسان من نفسه، الأخلاق هي نفسها التي دعا اليها النبي والأئمة وهي الصدق والأمانة ومساعدة الآخرين والابتعاد عن الأنانية والعفو والتسامح، هذه اللبنة يجب أن تكون متقدة دائما، يقول الامام الكاظم: من حاسب نفسه ربح.

إن مجتمعنا يعاني من انهيار في منظومة الأخلاق واتجه الناس إلى الماديات وخصوصا المرأة التي نجدها تتجه نحو التسوق ومتجاهلة الغذاء الأساسي للروح والذي دائما يؤكدون عليه أهل البيت، إذا صقل الانسان هذه الأخلاق سيعيش حياة هانئة يقول الامام الصادق: من حسن خلقه هنأت معيشته.

مروة حسن قالت:

مواقع التواصل دائما قابلة للتحديث والانسان كذلك يحتاج إلى تحديث أخلاقي بين الآونة والأخرى، فالامام الصادق يخاطب الشيعي قائلا: السيئ منك أسوأ لقربك منا، فالشيعي ينتمي إلى قاعدة جعفرية، والحسن منه أحسن.

منار قاسم قالت:

متى ما عدنا إلى الانسانية سوف يتقدم المجتمع، وهو صعب جدا في هذا الوقت، فإذا وصلنا لهذه المرحلة ستتقدم الأخلاق ونستطيع حينها أن نبني مجتمعا مثل الذي يريده أهل البيت.

ولاء عطشان قالت:

إنما الأمم الأخلاق مابقيت فإن ذهبت أخلاقهم ذهبوا، المشكلة الآن في مجتمعاتنا أن المادة اصبحت أهم من الانسان وأصبح هناك تهاون بالنفس الانسانية حتى التربية والمفاهيم أصبحت مغلوطة، ومن هذه المفاهيم أنَّ الذي يعتدي يجب أن ترد عليه بأضعاف، فالمهم نفسك قبل كل شيء، واندثرت أيضا فضيلة العفو والتسامح والتعاون ومفهوم حب لأخيك ماتحب لنفسك.

والامام الصادق يقول: كونو زينا لنا، فيجب أن نتعلم كيف كانت أخلاقهم، صحيح أن الأجيال تختلف والزمن تغير لكن الاخلاقيات ثابتة.

رقية تاج قالت:

القيم معروفة ومحددة منذ الأزل فهي موجودة إما فطريا أو عن طريق بعثة الأنبياء والأوصياء، نحن حاليا نحتاج إلى تفعيل هذه القيم وهذه تتم بمراحل، من الأسرة عن طريق تفعيل دور التربية للطفل ويكون ذلك بشكل عملي وليس نظري أي من خلال الأب والأم الذين يجب أن يكونوا قدوة لأبنائهم، وفي المدارس أيضا يجب أن تفعل الأخلاق عن طريق اللعب الموجه الذي يعلمهم على التعايش مع الآخر والتضحية والتعاون.

اسراء الفتلاوي قالت:

من الجانب الاجتماعي يجب أن تتوفر بيئة يسودها التناسق والعدل، ويجب احياء الضمير الحي، ومن الناحية السياسية يجب أن تقدس الحرية ويسود القانون العادل وكذلك تقديس الثقافة والتنمية والانتاج.

وأخيرا كانت مداخلة الشيخ مرتضى معاش:

يجب أن نبدأ من عملية سلوكية شاملة تلك التي حث عليها القرآن الكريم وسيرة أهل البيت عليهم السلام والعكس من ذلك فإن العنف هو أساس الرذائل، الانسان عندما يتربى على العنف والعبودية والنفاق، سوف يكذب لأنه خائف، الخوف أصبح عنده ملكة مسيطرة عليه فلا يستطيع أن يعبر عن رأيه بصراحة ووضوح،  والبعض يعتقد بالتأديب العنيف مع ان التأديب ليس له علاقة بالعنف فالتأديب هو التربية والعنف نقيض التربية، وهذا تناقض كبير، وبه يتم تحويل الطفل إلى وحش، فالمعلم إما يحول الطالب إلى ملاك أو وحش هنا مسؤولية التربية، هذه هي النقطة الأولى في عملية بناء الاخلاق السليم وهي اللاعنف المطلق.

من القيم الأخلاقية، العفو، الصفح، الحلم، التغاضي، ولابد للانسان أن يربي نفسه "فإن لم تكن حليما فتحلم".

ويوصف الحلم بكونه متلازمة مع العقل فالانسان العنيف قد يكون مجنونا وليس بعاقل.

النقطة الثانية التي نحتاجها من القيم هي الكلمة الطيبة فبها يتم اثراء الذات واثراء المجتمع وبناء الروح الاجتماعية "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة".

بالاضافة إلى ذلك اهمية التحريض على الخير فيما أمكن بكل اشكاله، ومن ضمن ذلك السعي في قضاء حوائج الناس، هذا به بركات كبيرة جدا وهو الذي يحقق السلم الاجتماعي والتآلف والتقارب، وحب العمل والتأدية بأمانة، والفساد الناتج هو نتيجة الكسل، وحب العمل من صفات الخيرين.

والنقطة الأخيرة وهي مفتاح من مفاتيح التقدم وهي روحية التحمل والصبر على الاخرين، سارتر يقول الجحيم هو الاخرون، وهو من المذهب الوجودي أو العبث، واذا كان كذلك فنقول له اذن انت الجحيم فانت آخر بقياس الآخر من المفترض على العكس أن نعتبر الآخر خيرا حتى نكون خيرا بالنسبة له، الامام علي يقول: الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق.

وفي ختام الملتقى كانت التوصيات كالتالي:

_صناعة النموذج الصالح على كل الأصعدة.

_نشر مبدأ التسامح.

_تعزيز العلاقات بين أفراد المجتمع وتذويب الفجوة بين الجيل القديم والحديث.

_الابتعاد ومحاربة الصفات المادية مثل حب الذات وعدم المسؤولية والرشاوي.

_تفعيل القيم الاخلاقية بالعمل.

_احياء الضمير.

_نشر سياسة اللاعنف بكل صورها لفظيا وعمليا، فهي عملية سلوكية شاملة.

جدير بالذكر ان جمعية المودة والازدهار النسوية تهدف الى توعية وتحصين المرأة ثقافياً لمواجهة تحديات العصر والعمل على مواجهة المشاكل التي تواجهها واعداد العلاقات التربوية الواعية التي تُعنى بشؤون الاسرة وكذلك دعم ورعاية الطفولة بما يضمن خلق جيل جديد واع وتسعى الجمعية لتحقيق اهدافها عبر اقامة المؤتمرات والندوات والدورات واصدار الكراسات واعداد البحوث والدراسات المختصة بقضايا المرأة والطفل

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز