وداع الحنظل.. صورة من الواقع بعرض مسرحي

الحنظل طعمه مر لكننا آمنا به فأصبح جزء من حياتنا، ولكن علينا أن نودع الحنظل بمرارته نودعه بأسماء الشهداء ووجوههم الباسمة بين السماء والأرض

كربلاء تزهر بالثقافة.. على الرغم مما يواكبون أهالي مدينة كربلاء المقدسة من حيث تواجدهم في ساحات الاعتصام وسط صخب المظاهرات التي اندلعت منذ شهور خلت، إلا إن ساحة الأحرار لم تخلُ من الأعمال الثقافية الهادفة حيث انطلق نخبة من الفنانين بنقل صورة من الواقع بعرض مسرحي استثنائي استحق الحضور والمشاهدة تحت عنوان (وداع الحنظل)، العمل كان برعاية الاتحاد العام للأدباء في كربلاء المقدسة.

(بشرى حياة) التقت ببطلة العرض وأيقونة المسرح الكربلائي وداد هاشم لتحدثنا عن مضمون العمل قائلة: مسرحية وداع الحنظل.. مسرحية تتحدث عن بغداد وما عانته من ويلات الحروب والإرهاب هي وأهلها وخاصة الشباب والنساء، من ظلم حكامها وعدم الاهتمام بهم واقصائهم وأبعادهم عن العيش بحياة حرة كريمة فاجبرهم للهجرة منها، ومنهم من استشهد دفاعا عنها وحبا بها فأخذت جثثهم تأكلها أسماك دجلة، فامتنعت الأمهات من الشرب من هذا النهر.

كما شبه المؤلف بغداد بالملكة التي سلب منها كل شيء رغم هذا بقيت صامدة مثل نبي عظيم يضحك بوجه الحياة.. ونساؤها سليلات المراثي والفقد الناعيات على أبواب الخسارات.. المهرولات بعباءاتهن المحترقات ليطعمن افواه الحروب التي ما شبعت من اعمار أهلها.

وعن المشهد الذي أثر بها قالت وداد: المشهد الذي رسخ في ذاكرتي وإن كانت كل المشاهد رائعة، هو وداع بغداد حينما قلت وداعا أيتها البهية لماذا تأكل الأحزان قلوب رعيتك.. من حرم تفاح الأيام ورمانه ورائحته عن أهلك الطيبين من.. إلى آخر النص..

وبما أن الحنظل طعمه مر لكننا آمنا به فأصبح جزء من حياتنا، ولكن علينا أن نودع الحنظل بمرارته نودعه بأسماء الشهداء ووجوههم الباسمة بين السماء والأرض، نودعه بعيونهم الحالمة بالعشق.. وحكايات المواويل نودعه بالورود فقط نودعه بضحكاتهم الحالمة بالتغيير وأحلام الأمهات وأمنيات الحبيبات.

رؤية نقدية

من جانب آخر التقينا بالناقد حيدر جمعة العابدي الذي حضر العرض ليحدثنا قائلا: وداع الحنظل مسرحية تنتمي في خطابها الموجه إلى شعرية المسرح باستخدامها لغة ذات إيقاع شعريا موسيقيا يميل إلى تكثيف الصورة الموحية والمؤثرة ذات الأبعاد الرمزية. 

وهو ما أعطى للصوت حضور دائم استحوذ على باقي عناصر المسرح الأساسية من حركة ممثلين وديكور وحتى درامة الأحداث، إيحاءات الأجساد فنيا وتعبيريا، لكن بالرغم من ذلك كان لتعدد مستويات أساليب عرض المشاهد والموسيقى ودلالات الصور التي تمثل كبار شعراء العراق كالسياب، ومظفر النواب،  والاستعانة بأصواتهم الحقيقية في قراءة قصائدهم فعل الشد والادهاش لدى المتلقي ما أعطى دفعا دلاليا وفنيا عميقا خصوصا لو علمنا أن هذا الاستدعاء جاء منسجما مع موضوعة المسرحية التي تتحدث أغلب أحداثها عن بغداد وليل بغداد وأسرار حكاياتها المخلوطة بالفرح والحزن.

وأضاف العابدي: المسرحية بالمجمل كانت تدور بين بطلين، لكل واحد منهما دلالة مختلفة لكنها سرعان ما يذوب هذا الاختلاف في لحظات الحزن والفرح وهو ما صنع جدلية الواقع والأمل ببغداد وهو ما عبر عنه عنوان المسرحية (وداع الحنظل) الذي مثل فيه المخرج والممثل المبدع عباس شهاب حيث جسد العراق المثخن بالجراح الانكسارات النفسية والوجودية، كما ارتبط  دور الفنانة المبدعة وداد هاشم ببغداد الجميلة الحالمة الباحثة عن الحياة والأمل. 

ختم حديثه قائلا: ما حققته هذه المسرحية في جميع مشاهدها المقننة جدا هو الانتقال الرائع من لحظة الحزن مشهد التابوت والموت السوداوية إلى لحظات الفرح والأمل وتكسير قيود الماضي والتبعية للآخر والبحث عن الحياة في صورة المطر والأغاني العراقية المحفزة لإرادة الروح الوطنية العراقية التي غيبتها الصراعات لتكون خير وأفضل معبر عن حالة الثورة وإرادة العراق التي لا تنكسر ما دام الأمل موجودا.

ولنا رأي 

قوض العمل المسرحي كل المركزيات التي همشت الإنسان المعاصر وجعلته يرزح تحت حيف الإقصاء والتهميش في نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، هذا وقد شاهد المسرحية المئات من الجماهير المحتشدة في ساحة الأحرار الذين كانوا عنصر الجمال الأول الذي ساهم في نجاح هذا العرض الرائع. 

المسرحية من تأليف الشاعر صلاح السيلاوي وإخراج وتمثيل الفنان عباس شهاب والفنانة وداد هاشم، في حين أشرف على الإضاءة سعد سلمان والهندسة الصوتية جلال الزيدي.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق