الإختلاف بالرأي يفسد الود

وما كان يعزي صمتي انني كنت اظن ان الاختلاف بالرأي حتما لا يفسد للود قضية وهنا نزف العقل اخر محطاته

حينما يعتريك ألم الركود، تتوقف الحروف على أعتاب أفكارك، تود قول كل شيء لكنك تعجز حين الطرح، هو حتماً ليس شعورا باليأس أو التعب ولا حتى الاكتئاب الروحي ولكن كل شيء فجأة أصبح أقل إثارة للاهتمام.

كأنَّ خيط الملل يسيطر على الأعضاء كافة وكأنني لعبة خشبية فقدت السيطرة ولاعب ماهر قد أحكم الإمساك بتلك الخيوط فأصبح يتنقل بأعضائي مابين أصابعه والجمهور يصفق، وعند أول تصفيقة اعتلت أدركت أنني فقدت الأهم في حياتي الشغف وأن أكون أنا، أصبح ذلك اللاعب المتمرد يحكم القبضة ويقتل أطرافي تباعاً حتى توصل أخيراً لمخيلتي التي كنت أخبئها في أعمق الأماكن وانتشلها كوحش انقض على فريسة حبلى على إشراف الولادة وخُطاها ليست إلا مسمى، ثقيلة كرمش وقع في عين مبتور اليدين، هكذا أحكم القبضة وأنا تخليت بكل سهولة عن شغفي وانصعت لأوامر الملل الذي أحكمني.

يوم آخر لروتين اعتدت عليه وجلسة صباحية مع الصديقات وحديث يطول لنصف ساعة أو تزيد قليلاً وبدا وكأن الجميع يمتلك حس السياسة والجميع مدرك للأمور وكل من يخالف رأي الجمع هو جاهل لا يفقه سوى التصفيق خلف الركب، يالبؤس تفكيرهم المحدود وربما يالبؤسي أنا التي أضعت أياما من شغفي لاهثة خلف أفكار واهية تظن أن كل ماينطق الكل هو حق وكل مخالف هو تابع لا فائدة منه، لكنني ورغم هذا كنت أصمت ليس عجزا بل لأنه كان دوما يراودني ذلك بيت الشعر الذي يقول: إذا بُليتَ بجاهِلٍ مُتحامـلٍ _ يَجدُ المـُحالَ مِن الأمـورِ صـواباً

أوليتهُ منيَ السكوتِ، وربما_ كانَ السكوت على الجوابِ جواباً.

ولكن الأسوأ مِن كتمان الشعور هو التظاهُر بعكسهِ تماماً، نصمت ونصمت حتى تستباح حروفنا على شفاه المغردين، أتسائل كثيراً هل نحن حقاً بهذا الضعف لتطول فترة صمتنا؟.

نسير خلف الركب أينما يذهبون ونترك عقولنا طي البيانات ولم نتساءل يوماً إن كان لابد من تشغيلها أم لا، نحن كالفيل في الطائرة يضعون الأفراخ بمحاذاته لأن لا يتحرك، هكذا قادوا عقولنا وتركنا الكل وركزنا على الجزء فتهنا وتاه جل ماجمعناه وإن كان قليلا.

وما كان يعزي صمتي أنني كنت أظن أن الاختلاف بالرأي حتما لا يفسد للود قضية وهنا نزف العقل آخر محطاته حينما ألقت عليَ إحدى الجالسات في النقاش جملة جعلتني أتحير بين عقلي والصداقة أيهما أهم، أخبرتني بنبرة متعصبة قائلة: إياكِ أن تقولي هذا مرة أخرى أو تتكلمي بلهجة ساخرة حول مانفعل فهذه قضيتنا إن كنتِ لا تمتلكين حس الوطنية، وإلا انتهى بيننا ماكان طيبا، ثم أشاحت بوجهها وبَقيت لأيام بهذا الوجه العابس الذي يخبر الجميع أنها مستاءة وهو ماكان يؤلمني وأخبئه خلف ابتسامتي، فلست ممن يخسر الأصدقاء لقاء وقت سيمضي وتكتشف بعده أي مجزرة للحب أقيمت من أجل نقاشات لا تقدم ولا تؤخر في بلد الملاحم الذي لن يهدأ أو يمل.

فكل يوم ملحمة ولكن الشيء الوحيد الذي سيبقى فيه هو الحب وأنا راهنت أن لا أخسر حبا بعد اليوم وإن كنت سأجهض فكرة لأجله ففي حين آخر ستعود أفكاري وسيدرك الحب أي خطأ اقترف وبالنهاية ستزول الغمامة عن الجميع، المؤسف بالأمر نحن نصيغُ عبارات بطولية وكأننا قادرون على فعل شيء، لو كانت الحرب لمن هو أطول لساناً فحتماً سنفوز.

لا أعرف شخصاً قادراً على ربح الحرب وهو غارق في الجهل والتفاهة، ونحن غرقنا وشربنا من قاع جهلها حتى رمينا الأب فأسقطنا عنه ولايته في الطرح، وشتمنا المعلم حتى ظن الناس أنه أساس القمع، وهجرنا العلم حتى بكى في زاوية يشكو قلة الحيلة في عودة النور إليه، ثم بكل وقاحة سببنا الرب الذي ماكان حتى ابليس ليتجرأ على سبه، وهنا وقفنا على التل وقلنا إننا ما لأحد مجاراتنا طالما نحن الواعون بينما نحن ليس بيننا وبين الدرك الأسفل إلا شعرة وهي الطيبون والمدركون الذين مازالوا يدعون الله بأن لا يحاسبهم على مافعل السفهاء منهم.

هنا في كل ماسبق لم أذكر في أي جهة أنا ولا مع أي موقف ولكنني تركت للقارئ حرية أن يضم أفكاري لجهته فينظر منها للجهة الأخرى ويرى كم حبيبا خسر لقاء كلمة بلحظة جهل أطلقها وتقديس ماكان ليجب أن يقرره هو.

ثم جلست أرى نفسي حين السير دون النظر للخلف والناس والرب ماذا كنت أفعل، فوجدتني قد خللت بكثير من الأشياء دون ادراك بل وإن الأغلبية قد انكروا في حينا وجود الرب والحكمة وأنَّ كل مايحدث له سبب، هذا المجتمع الذي ضاعت فيه القيم وانقلبت فيه الموازين، وغزته الهموم وسيطر عليه اليأس حتى أصبح أغلب الناس يتمنوا الموت ولسان حالهم ينادي:

هامت على نفسي الهموم كأنها

وكأنهن فريسة وصقور

يا ليل أين النور إني تائه

هل تنجلي أم ليس بعدك نور؟.

المصيبة أننا نسينا كل موعظة ورحنا نركض وراء طلاب الدنيا، أصبحنا لا نعرف إلا المال، نحفر الحفر لإخواننا من أجل الحصول على المال، نحلف بالله كذبا من أجل المال، نزوّر من أجل المال، نغش من أجل المال، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآله قَالَ: (لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ بِمَا أَخَذَ الْمَالَ أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِن حَرَامٍ).

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق