في زمن الأوبئة.. على ماذا يتغذى الخوف؟

هذا الفايروس على الأغلب لا يودي بحياة من يمتلك مناعة قوية، لكنه اختبار دقيق يكشف هشاشة صحة الأفراد النفسية

عندما اجتاح "الطاعون" أو مايعرف "بالموت الأسود" أنحاء أوروبا أودى بحياة الملايين من الناس، ويقال أنه حصد مالا يقل عن ثلث سكان القارة وقتذاك، تأخر الأطباء في تقديم تفسير لسبب انتشار المرض، وبدأ الناس يعتقدون أنَّ غضب الله هو ما أدى إلى ذلك.

وفي 1918 وبعد الحرب العالمية الأولى، ضرب العالم وباء آخر وهو "الانفلونزا الاسبانية"، ومات أيضا الملايين، والضحايا كانوا أضعاف ماحصدته الحرب، أما العامل الأكبر في انتشار هذا الفايروس فكان ضعف أجهزة المناعة لدى الجنود بسبب سوء التغذية أعقاب الحرب، وبسبب المخيمات الطبية المكتظة والمستشفيات وسوء النظافة الصحية، وأيضا زيادة السفر والتحركات الكبيرة للقوات البحرية في الأشهر الأخيرة للحرب.

إذن أثّر العامل الديني والصحي والسياسي في تفسير سبب حدوث المرض أو انتشار مساحته، وبطبيعة الحال كان الخوف ناشئ في الغالب من تلك الأسباب الرئيسية.

في وقتنا الحالي وفي ظل جائحة "كورونا" التي ضربت جميع أنحاء العالم، وحصدت ولا تزال تحصد الآلاف ولا نعرف إلى الآن كم هو العدد حتى يصل الفايروس إلى حلقته الأخيرة.

وهنا يأتي السؤال، ماهي العوامل التي تساهم في انتشار هذا المرض؟

بالرغم من التطور الحضاري الذي نعيشه وتقدّم الطب وزيادة وعي الأشخاص بفضل العولمة الثقافية وانفتاح العوالم والديانات على بعضها، إلا أن العوامل لا تختلف كثيراً عن التي انتشرت في القرن الرابع عشر، ونتيجة كل ذلك انتشر فايروس آخر يضاهي خطورته خطورة فايروس كورونا وهو مثله لا يرى بالعين المجردة.

إنه الخوف، هذا الخوف قديماً وحديثاً يتغذى على العديد من المصادر، نذكر منها بعضها:

1_ الجهل: قد يستسلم وينهار الكثير من الأشخاص أمام الأمراض نتيجة بعض الاعتقادات الدينية، ومنها ايمانهم بقوة القضاء والقدر، فالاعتقاد الذي ساد في القرون الوسطى بأنَّ سبب الطاعون هو عذاب الرب، وقبلها في الدولة الاغريقية وأساطيرهم الدينية غضب الآلهة، جعل ضعيفي الايمان يستسلمون للموت الذي لامفرّ منه، وكان دور رجال الدين وقتذاك يوازي دور الأطباء في التأثير على الناس، فمنهم من صوّر المرض شيطاناً أو عذاباً إلهياً أو سحراً وتعويذات شريرة.

هذا قديماً، أما حديثاً، ولنفرض أن الوباء هو غضب إلهي بسبب الفساد والظلم وبما كسبت أيدينا، فهذه إحدى الاحتمالات الغيبية أولاً، والجانب الايماني إن كان متواجداً في النفس يجب أن يعطي الشعور بالأمان وليس العكس، وإن نجح الخوف بالتغلغل بين جوانحنا فعلينا أن نتخلص منه بالفرار إلى الله وطلب الاستغفار والدعاء لرفع هذه الغمّة عن هذه الأمة واللجوء إلى الأبواب التي أمرنا الله بالاستعانة بها في كل شيء، ومن ثم التوكل وهو الحل الأمثل، وليس بالتواكل المبني على نظرة ايجابية أو حتى سلبية للمرض.

2_ الوعي الصحي: هو سبب جداً مهم، فالعقلانية والوعي العلمي الزائد عن حده هو مشكلة تسبب الهلع والوسواس من الأشخاص والأشياء وكل مايحيط بنا، وقلة الوعي أخطر من أختها، فهي تؤدي إلى اللامبالاة والاستهتار بأرواح الناس، وتطور الطب الحديث ووضوح الاجراءات والاحتياطات التي تنشر على كل الوسائل يجب أن تكون عامل مطمئن وليس العكس.   

3_ السياسة: الحكومات وضعف اجراءات التنقل أو تأخرها في تطبيقها، هي عامل أيضاً في زرع الخوف من انتشار المرض، فضعف الامكانيات الحكومية تسبب هلعاً اضافياً للمواطنين، وعلى كل شخص أن يعي دوره في ظل هذه الأزمة، أما دور دولهم فسيقع على عاتق قادتها وزر كل من أصيب أو أصاب من غير عمد، والعامل الاقتصادي وغيرها من المصالح مما قد تخفى علينا، هي في الغالب ما يجعلها تتهاون أو تتأخر في وضع الاجراءات المناسبة للحد من انتشاره، ومنذ القدم اعتبرت الأوبئة مقياساً لكفاءة القادة وذكاءهم في كيفية التعامل مع هكذا أزمات وفي احتواء الآلام والمعاناة الانسانية.

يتغذى الخوف على كل ذلك، ويجد حيزاً كبيراً في نفوس الناس التي تعاني من القلق وضعف الايمان والفراغ، يقول مؤرخ يوناني قديم عن طاعون أثينا أن أفظع شيء كان اليأس الذي سقط فيه الناس عندما أدركوا أنهم قد أصيبوا بالطاعون، لأنهم على "الفور تبنوا خيار اليأس، ومن خلال الاستسلام بهذه الطريقة، فقدوا قدرتهم على المقاومة".

فالناس في وقتنا الحالي تتأرجح بين الافراط والتفريط في التعامل مع هذا المرض، بين العقلانية الشديدة التي تقيس الأمور بالمسطرة والورقة والقلم، والنفسية التي تعيش على الأمل وتتفاءل بعالم وردي يتمنى الجميع رؤيته، لكن للأسف ليس له وجود على أرض الواقع.     

هذا الفايروس على الأغلب لا يودي بحياة من يمتلك مناعة قوية، لكنه اختبار دقيق يكشف هشاشة صحة الأفراد النفسية.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق