العلماء.. ملوك بلا تيجان

ألا فَاغتَنِموا مَجالِسَ العُلَماءِ، فَإِنَّها رَوضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، تَنزِلُ عَلَيهِمُ الرَّحمَةُ والمَغفِرَةُ، كَالمَطَرِ مِن

لا ريب في أنّ النعم الموجودة على الكرة الأرضية كثيرة، وإنّ القسم الأعظم من هذه النعم هي هداية الإنسان التي يتعلق بالمقدمات التي خلقها الله تعالى لذلك، فقد أعطى تعالى: العقل، وفطرة التوحيد، وبعث الأنبياء، وإظهار الآيات التشريعية والتكوينية، ويكفي الإنسان أن يتخذ قراره بحرية وصولا للهدف المنشود واظهار النعمة عليه.

وبما أن نعمة الإرادة وحرية الاختيار في الإنسان من أهم عوامل التكامل فيه، فقد أشارت إليها الآية بجملته قصيرة: (وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) وطبيعي جدّا أن يفكر الإنسان بخالق النعم، خصوصا عند تنبّهه للنعم المختلفة التي تحيط بوجوده، وأنّ ضميره سيستيقظ ويتجه نحو المنعم قاصدا زيادة معرفته به إذا ما امتلك أدنى درجات حسن الشكر.

ومع أنّ بعض المفسّرين قد حصروا لكلمة «النعمة» في الآية ببعض النعم: كنعمة الخلق، وتكامل العقل، أو التوحيد، أو نعمة وجود النّبي صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم إلّا أنّ معنى الكلمة أوسع من ذلك، ليشمل كل النعم (المذكور منها أو غير المذكور).

وما يضيف القرآن الكريم القول: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها)، فعلّة كفرهم ليست في عدم معرفتهم بالنعم الإلهية وإنّما بحملهم تلك الصفات القبيحة التي تمنعهم من الإيمان كالتعصب الأعمى فتصبح نقمة عليهم، ومفهوم النقمة تحمل في طياتها العذاب وما يتبعه الضلال فالأمر كلّه يرجع إلى الضالين أنفسهم، لأنّهم اختاروا السير خلاف الوضعين التشريعي والتكويني الذي جعلهم الله عليه، وجعلوا حول الفطرة حجابا داكنا وأغفلوا قوانينها، وجعلوا الآيات التشريعية والتكوينية وراء ظهورهم، وأغلقوا أعينهم وعقولهم عن طريق الحق وتحولت النعمة إلى نقمة. كحبات المطر إن كثرت يسعد بها الفلاح بينما يعاقب فيها الآخر ويغرق، وممّا لا شك فيه أيضا أنّ ماء المطر لا تقتصر فائدته لشرب الإنسان وإرواء النباتات، بل ومن فوائده أيضا: تطهير الأرض، تصفية الهواء، إيجاد الرطوبة اللازمة لطراوة جلد الإنسان وتنفسه براحة، وما شابه ذلك.

والذرة أيضا قد تكون طاقة وقد تكون أداة للقتل، بطرف هي نعمة وطرف آخر نقمة، والعالم أيضا يمكن أن تكون نعمه في قومه أو نقمة عليهم أيضا، فكيف لتلك الحروف أن تصنع المعرفة والتطور، وتضع الجهل وتزيف الحقائق سؤال يراود عقلي منذ سماعي تلك القصة التي نقلها السيد الطبرسي التي تدل على  مكانة العالم في يوم القيامة وأنه يضع على رأسه تيجان من النور يضيئ للمهتدين ويحرق للكافرين.

فقد قال الامام علي بن أبي طالب عليه السلام: من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به جاء يوم القيامة على رأسه تاج من نور يضئ لجميع أهل العرصات، وحلة لا تقوم لأقل سلك منها الدنيا بحذافيرها، ثم ينادي مناد "يا عباد الله هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله فليتشبث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان، فيخرج كل من كان علمه في الدنيا خيرا، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا، أو أوضح له عن شبهة.

عن الرسول صلّى الله عليه وآله: ألا فَاغتَنِموا مَجالِسَ العُلَماءِ، فَإِنَّها رَوضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ، تَنزِلُ عَلَيهِمُ الرَّحمَةُ والمَغفِرَةُ، كَالمَطَرِ مِنَ السَّماءِ، يَجلِسونَ بَينَ أيديهِم مُذنِبينَ ويَقومونَ مَغفورينَ لَهُم، والمَلائِكَةُ يَستَغفِرونَ لَهُم ما داموا جُلوسًا عِندَهُم، وإنَّ اللهَ يَنظُرُ إلَيهِم فَيَغفِرُ لِلعالِمِ والمُتَعَلِّمِ والنّاظِرِ والمُحِبِّ لَهُم.

ولم يجعل الله التحاسد إلا في أمرين: بذل المال، وبذل العلم، فتنافسوا في طلب العلم.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق