الامام الحسن والقيادة الناجحَة

إن الإمام الحَسن المُجتبىٰ (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) كان قد أبدىٰ أعظمَ تكتيك سياسي في التأريخ

من مواصفات القائد الناجح -على اختلاف ماهية المجتمع الذي يقوده_ هو أن يتصف بالعلم والحكمة؛ فبهما يعرفُ كيفَ يتعامل مع المجتمع وكيف يتعامل مع العدو فيحارب إذا علمَ أن الحرب هي الحل الأمثل ويسالم إذا علمَ أنه ليس من مصلحة مجتمعهِ وأتباعهِ القيام.

والجهل بالحكمة هو الذي يوجب الانتقاد والنقد للقائد من دون معرفة وجه الحكمة من فعله قامَ أو قعد.

وهذا ما أشارَ له الإمامُ الحسنُ المُجتبىٰ في جوابهِ علىٰ أبي سعيد حينَ سألهُ عن علة صلحهِ مع معاوية: (يا أبا سعيد... ألستُ الذي قال رسول الله ”صلى الله عليه وآله“ لي ولأخي: الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قلت: بلى، قال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول اللّٰه” صلى الله عليه وآله“ لبني ضمرة وبني أشجع، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل، يا أبا سعيد إذا كنت إمامًا من قبل اللّٰه تعالى ذكره لم يجب أن يسفه رأيي فيما أتيته من مهادنة أو محاربة، وإن كان وجهه الحكمة فيما أتيته ملتبسا.

ألا ترى الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار سخط  موسى عليه السلام فعله، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي)١.

لهذا لا يصحُ عقلًا مجادلة القائد قبلَ معرفة العلة من فعلهِ أو تركه فإن ذٰلك الفعل ينمُ عن جهلِ وتخلفِ صاحبهِ.

فإنه صلوات الله عليه حينما أعلنَ وأصدر قرار الصلح إنما هو قرار واجب التنفيذ لا أن يأتي أحدهم ويقول له: (يا مذلَ المؤمنين)! وآخر (يطعنهُ بخنجر)!

وكما صالحَ النبيّ في مواطن منها الحديبية كذلك صالح حفيدهُ حينَ رأىٰ أن مصلحة الإسلام تقتضي ذٰلك.

ومن الجيد أننا كثيرًا ما نسمعُ أو نقرأُ أن الإمام الحسن (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) كانَ قد مهدَ الأرضيّة لقيام سيد الشهداء (صلواتُ اللّٰهِ عَليه).

لكن كيفَ تم ذٰلك؟

والجواب: إن الإمام الحَسن المُجتبىٰ (صلواتُ اللّٰهِ عَليه) كان قد أبدىٰ أعظمَ تكتيك سياسي في التأريخ، وذٰلك أنه حينَ صالحَ معاوية أبدىٰ انعطافًا سياسيًا في ذلك الظرف العصيب، ولكن في الوقت ذاته شرعَ يمهدُ لثورةٍ أخرىٰ من بعدهِ بقيادة أخيه الحسين صلوات الله عليه ولأجل أن نبين بعضَ ملامح حكمة الإمام الحسن من وراء صلحه مع معاوية نوجز ذلك في نقاط:

أولًا: إن من أبرز ملامح تمهيد الإمام الحسن لثورة الحسين (صلوات اللّٰه عليهما) أنهُ عملَ جاهدًا في حماية أخيه الحسين لثورة الطف وكلنا يعلم أنه بلا قائدٍ لا تكون ثورة؛ لذا كان الإمام الحسن يستقطب أنظارَ الشانئين حوله مبعدًا إياهم بذلك عن أخيه ومن مطالعةٍ موجزة لسيرة الإمام الحسين في حياة أخيه الحسن يتبين لنا كيفَ أنهُ لم يكن بارزًا في ساحة المواجهة آنذاك.

ثانيًا: إن معاوية رجل مكرٍ ودهاء؛ فكانَ يصفي جسديًا كل من يعترضُ طريقه،  واغتال الكثير من كبار صحابة أمير المؤمنين (عَلَيهِ السّلام) منهم رُشيد الهَجري، حجرُ بن عدي وأصحابه، مِيثم التّمار، سعيد بن جبير، عبد اللّٰهِ بن يحيىٰ الحضرمي.

فكانَ إبعادُ الإمام الحَسين عن الساحة السياسية من أبرز المهام التي اضطلع بها الإمام الحسن (صلوات اللّٰه عليه) حفاظًا علىٰ حياة أخيه الحسين.

ثالثًا: قد يرىٰ البعض من أول نظرة للمصادر الأولية أن الإمام كان قد قبلَ الصلح مع معاوية حقنًا لدماء المسلمين لا غير، والحالُ أنه (صلوات اللّٰه عليه) كانَ قد كشفَ زيفَ معاوية حينَ نقضَ العهد وما كان ذلكَ بغريبٍ علىٰ رجلٍ أبوه أبو سفيان وأمهُ هند وهو طليقٌ ابن طلقاء، حيثُ أنه ما إن استتبَ له الحكم حتىٰ خطبَ بالناس قائلًا: (إني واللّٰه ما قاتلتكم لتصلّوا، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا، إنكم لتفعلونَ ذلك، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّرَ عليكم، وقد أعطاني اللّٰه ذلك وأنتم كارهون، ألا وإني كنتُ منيّتُ الحَسَن وأعطيتهُ أشياءً وجميعها تحتَ قدمي هاتين لا أفي بشيءٍ منها له) ٢.

فطريقة الحسن هذه للتغلب علىٰ معاوية نستشفُ منها أنها لم تكن من محضِ إرادتهِ وأهدافهِ الذاتية وإنما كان منطلقًا من قاعدة عامة هي النظر لمصلحة الإسلام العامة فإنه صالحَ حينَ رأىٰ أن الحربَ لا تجدي نفعًا وهي حربٌ خاسرة ستقضي علىٰ أنفاس قومهِ وتخمدها.

ومن جهة أخرىٰ تدلُ علىٰ عظمتهِ صلوات الله عليه وما يمتلكه من سعة أفق والتنبؤ بالمستقبل وهو ما يطلق عليه (البصيرة) في المصطلح القرآني.

رابعًا: إنه صلوات الله عليه قبلَ الصلح وكذلك لو كانَ الحسين مكانه سيقبله أيضًا لأن معاوية كان يمتلك من الحصافة ما يتمكن من أن يخمد الثورة ضده بأساليبه التي عهدناها كما فعل ذلك مع كل من يشعرُ بأنه يضايقهُ في ملكه حتىٰ أنه يقضي عليهم بالسم كي لا يتوهج المقتول من بعد موته، وكم رأيناه مارسَ هذا الأسلوب مع مناوئيهِ أمثالَ سعد بن أبي وقّاص والأشتر وعبد الرحمٰن بن خالد بن الوليد لما رأىٰ افتتان أهل الشامِ به.

وقد ألمعَ الحسينُ إلىٰ ذلك حينَ قال لعلي بن محمد بن بشير الهمداني حين فاوضه في الثورة بعد أن يئس من استجابة الإمام الحسن عليه السلام: (صدق أبو محمد، فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام الإنسان حيًا) ٣، يعني بذلك معاوية بن أبي سفيان.

وكذلك كتبَ إلىٰ أهلِ العراق حينَ سألوه أن يجيبهم إلىٰ الثورة علىٰ معاوية بعد وفاة أخيه الحَسن” عليه السلام“: (... فالصقوا رحمكم اللّٰه بالأرض، واكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيًا).

ومن كل ما سبق نرىٰ أن الإمام الحسنَ " صلوات اللّٰهِ عليه" كانَ من أعظم عظماء السياسة حسب المصطلح الحديث وأنهُ قامَ بثورةٍ خفيّة للإطاحة بمعاوية ومهدَ الأرضيّة لثورة أخيهِ من بعده وقد أثمرَ ما صنعا حيث أزالا عرشَ آل أميّة وقذفاه في منافي التأريخ ليرتقيا ومن ارتبطَ بهما أعلىٰ مدارج الكمال وأسمىٰ مناهجَ النَوال.

_________

١- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار ج٤٤، ص٢.

٢- الإرشاد للمفيد، ص١٩١.

٣- الأخبار الطوال، الدينوي ٢٢١

٤- المصدر السابق، الدينوري ٢٠٥

شارك الموضوع:

اضافة تعليق