وقت مستقطع

شارك الموضوع:

إن ‎أسوء ما يصيب الانسان أن يألف النعمة ويفقد الاحساس بها مع مرور الوقت

يوم جديد أتسابق فيه أنا والوقت منذ الصباح الباكر والثياب تملأ المكان، الخزانة لاتتسع وأنا لا أملك شيئاً لأرتديه، في الأسفل السائق يرفع صوت التنبيه، تأخرنا، خطوات متباعدة تسابق بعضها والأوراق شيء لليوم وشيء من محاضرة الأمس فالإستعجال لايترك وقتاً للإنتباه.

الشارع المزدحم، أصوات السيارات وضجة الصديقات والأحاديث الجانبية بين تعديل وترتيب ومن يقرأ وتلك التي تكمل نومها، هنا يبدأ اليوم وما هو إلا وقت قليل حتى نبدأ رحلة السرعة مابين القاعة والباحة وتلك تصرخ وهذا يريد شيئاً مستعجلاً بينما الممرات مكتظة بالطلاب وضحكات المارة والعاشق الذي يقف في الزاوية ينظر إلى الممر لعل من يبتسم له القلب يطل فيسير يومه على أجمل وجه.

وهنا نتجه نحو القاعة التي تجد في أولها هدوءاً وأوسطها صوت دراسة وضجيج والنهاية هي من تعطي روح القاعة مشاكسة على ضحكات، وبالمناسبة هناك مكان لمن لم يكمل نومه وهذا من الضروري، بعدها بلحظات يطل الأستاذ ونبدأ بحماس يتبعه فتور ثم نعاس وحتى ينتهي الوقت نكون قد رسمنا آلاف الخطط  وقصصنا على أنفسنا بعض القصص بالإضافة إلى ماترسمه أناملنا بداعي مرور الوقت.

ثم أسرعت هاربة من القاعة بعد ساعتين من محاضرة جدية لا تحمل حتى وجه أي متعة علمية وما إن خطوت أول خطوة حتى دوى صوت أمي في رأسي: (استيقظي إنها التاسعة)!

هل كان حلماً؟ ظننت أن الوباء رحل وعدنا لمقاعد الدراسة، كنت أظن أنني أتنقل بين الممرات في كتابي والتوتر يتمالكني فدقائق تفصلني عن الاختبار، ولكنني وجدت أنني أتنقل بين البرامج الالكترونية.

رغم ما كان يصيبني من توتر وهلع في القاعة إلا أنني اشتقت إليها أكثر من أي وقت مضى، فلا أشعر بروح القلم هنا ولا حتى يمكنني أن أقول أنني أدرس فهو شيء أشبه بلعبة الألغاز في الهاتف، حينما يصعب عليَ اللغز أذهب مباشرة إلى موقع البحث وأطلب الحل دون تعب، ومن ثم تأتي الدرجات، فيها مايفرح ومايحزن. بين لهفة المعدل وقبول النجاح، لحظات تأخذنا مدا وجزراً بأغلال لم نختارها في سرداب موحش وأسوار فرضت علينا، اختفت معها أصوات الأطفال وعبير الأهل ولمة الأحباب، أصبح السلام فينا باهتاً لايحمل لوعة الاشتياق ولاجمال الملتقى والروتين الذي أخذ جل وقتنا فنسينا معه الساعة والأيام، فلا فرق بين أحد وما سواه ممن يتبعه من الساعات فنضيع عن قرارنا الذي كنا نتخذه يوميا أن نكون مندمجين مع العالم لا تابعين له.

في الوقت الذي كنت أشتكي به من الضغوط وتراكم الواجبات أصبحت أشتكي من كثرة الجلوس والخمول، ماضعفت حيلتي ولا قل تدبيري وما نقص من حدسي شيئا ولافتر ولكنه التراخي والنفس حين تتولى وخدر القلب الذي من شدة مانهض أصبح ينام في صدري متنملاً من التعب وفراق الأحبة والأصحاب.

حقاً لم يكن فراقاً يارفاق كان انهيار صخرة على القلب فحديثكم يقبل قلبي بلطف فقط لو أن الحديث قابل للعناق.

شيء ما حدث فجأة من نيران الحرية، سقطنا في رماد السكون المبهم الذي لا حيلة لنا ولا قوة عليه بدأ يختطف كل مارسمناه للغد وما نحن نعلم إن كان نعمة أو عقاب أو هو وقت مستقطع للآتي وكل ماهو آت من الله خير.

ما كان يجب أن نخضع لكل هذا الركود تاركين أقلامنا تتحول لرصاص يقتل روحنا شيئاً فشيئاً فنصبح ضعفاً مختبئاً وراء ستار الصخب والطموح منتظرين نهاية لسنا بعارفين حتميتها فقط هو السكون رسمها لنا بينما الحقيقة تتعدى كون أن يركن الانسان نفسه منتظرا النهاية، بإمكانه أن يتحرك أحيانا من حروف عابرة وأحيانا من كلمة قالها شخص لطيف فعلقت على أبواب أرواحنا مضمونها: (إنهض).  

غدا سيعود الصخب ونتسابق للقاعات بلهفة ثم بعد يومين نعود ونتململ، هي النعم لا نعرف بوجودها حتى نفقدها وقد فقدنا نعمة الحياة ونحن فيها فالتزمنا أقفاصا من حجارة  وأصبحنا نخشى أقرب الناس إلينا.

الأيّام تمر على الانسان بكل هدوء لكن لا يُدرك قيمتها إلاّ عندما تمضي وتكون مجرد ذكرى.. نكون في أتمّ الصحة والعافية وما نشعر بهذه النعمة إلاّ حينما نفقدها، والكثير أنعم الله عليهم بالمال والسلطة ولكن مع عدم شكر الله زالت هذه النعم وبعد ما فقدوها أحسّوا بقيمتها.

نكون مع أحب الناس وأغلاهم ولا نعرف قيمتهم إلا بفقدهم ونذوق طعم الوحدة بدونهم، ‏هكذا نحن فالمرء لا يعرف قيمة الوطن إلا حين يتغرّب، والشخص لا يعرف قيمة من يحب إلا حين يهجره، والغريب في الأمر أننا لا نتعلم من تجاربنا فكم منا أوجعه ضرسه ذات يوم.. وجلس يراقب الآخرين ويتحسر وهم يأكلون ويشربون بلا ألم.

أتوقع أن معظمنا عانى من هذا الأمر ومع ذلك لا نتعلم. إن ‎أسوء ما يصيب الانسان "أن يألف النعمة ويفقد الاحساس بها مع مرور الوقت". وتصبح النعم عنده من الأشياء العادية بعد أن كانت حلما يتمنى تحقيقه ويسعى جاهدا للوصول إليه.

وقد قيل أن شدة القُرب حجاب. أي أن الإنسان لا يعرف قيمة النعمة إلا إذا زالت عنه. قال تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق