التفاؤل.. محيي القلوب الميّتة

شارك الموضوع:

كثيرة تلك المواقف والتقلبات التي تسرق منك البهجة والتفاؤل في الحياة، وتجعل منك إنساناً محبطاً مغموراً بالكآبة

في إحدى ردهات مستشفى الأمراض السرطانية ترقد فتاة عشرينية على سرير قرب نافذة مطلة على حديقة المستشفى التي نفضت أوراق أشجارها بحلول موسم الخريف. وكانت تطيل النظر لورقة أخيرة في شجرة.

وقد أخبرت أختها الكبرى عندما تشاهدين تلك الورقة الأخيرة من الشجرة تسقط نهاية الأسبوع؛ اعلمي أني قد فارقت الحياة. أخذت الفتاة جرعات من الإشعاع لتحديد الورم. مضت الأيام والشهور والورقة لم تسقط. تشافت الفتاة وعندما خرجت من المشفى ذهبت لترى تلك الورقة الصابرة التي تحملت برد الشتاء القارص. كانت المفاجأة أن أختها قامت بربط الورقة بشريط منعا لسقوطها.

جل ماكانت تحتاجه المريضة جرعة من أمل ساعدتها على الشفاء.

كثيرة تلك المواقف والتقلبات التي تسرق منك البهجة والتفاؤل في الحياة، وتجعل منك إنساناً محبطاً مغموراً بالكآبة لا تستطيع القيام بأعمالك الحياتية وقد تعاني من آلام جسدية مثل التعب وآلام الرأس والعضلات وعندما تذهب للطبيب ويجري لك الفحوصات يكتشف أن لا شيء عضوي! إنما الحالة النفسية والكآبة والخوف من المرض هو سبب تلك الحالة.

وفي دراسة أجريت على 309 مريضًا في منتصف العمر حسب جامعة هارفرد تبيّن أن الأشخاص المتفائلين أقل عرضة للإصابة بالأمراض النفسية مثل الكآبة والقلق والتوتر من المتشائمين، كما ويكون هذا الشخص في أغلب الأحيان أكثر نجاحًا في حياته، فيتفاعل بشكل كبير مع الناس المحيطين به، ويستطيع التكيف مع الصعوبات الحياتية التي تواجهه، فلو أصيب الإنسان المتفائل بأي مرض من الأمراض المزمنة نجده أكثر تقبلًا للواقع، على عكس الشخص المتشائم، لذلك فالشخص الناجح والمقبل على الحياة يميل إلى التمسك بالتفاؤل والأمل، فهما يمثلان عنصران أساسيان في تكوينه النفسي.

وغالباً يكون الإنسان المتفاءل أكثر إنتاجية من غيره ويتقبل المشاكل والتحديات التي تواجهه للوصول إلى النجاح على عكس نظيره المتشائم فهو يحيط حياته بدائرة مغلقة من الأوهام والخوف. وما إن ينتبه يجد أن الأوان قد فات فالوقت لاينتظر أحد والفرص لا تتكرر في الحياة.

فالتشاؤم والقنوط طريق الضلال و"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون". كما جاء في قوله تعالى "وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ".

كماأن تقلبات الدنيا في سرائها وضرائها ومدها وجزرها ليست حكرا على قوم دون قوم أو أمة دون أمة أو فرد دون فرد، ولكنها سنة الله في ابتلائه بها أهل الدنيا "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ".

واعتبر الله عز وجل أن اليأس والقنوط وهما نقيضين للتفاؤل من أعمال الكافرين إذ قال على لسان النبي يعقوب عليه السلام في معرض بحثه عن ولده يوسف - كان متفائلاً بإيجاد ولده رغم فقده سنوات عديدة (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).

الإنسان المؤمن دائمًا يتشوق للخير والسعادة، ويؤثر حسن الظن بالله ومن تمام الصحة والعافية، أن تكون متفائلاً، ومتعلقًا بالرجاء والأمل في الله، وأول خطوة في الطريق للنجاح الأمل الذي هو راحة للنفس. وإن المتشائم لن يصنع تاريخا أو يبني مجداً ولن ينفع نفسه فضلا عن نفع غيره أو أمته. قال رسول الله صلى الله عليه وآله "واعلَمْ أنَّ في الصَّبرِ على ما تكرهُ خيرًا كثيرًا، واعلَمْ أنَّ النَّصرَ مع الصَّبرِ، وأنَّ الفرَجَ مع الكرْبِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا".

فيتعين على المسلم أن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وآله في حسن التفاؤل وجميل الأمل وإحسان الظن بربه وصدق التوكل عليه ومحاربة القنوط واليأس ليستديم العيش في حياته ويحقق آماله وتطلعاته ويسعد في الحياة الدنيا والآخرة.

وإن في تقلب الدهر عجائب وتغير الأحوال مواعظ وأن حوادث الدنيا لا تدوم وأن القوي لا يستمر أبد الدهر قويا والضعيف لا يبقى طول الحياة ضعيفا ولكنها سنة الله، ولنا في حياة الأنبياء والصالحين عبر هذا هو النبي ابراهيم عليه السلام أراد به قومه كيدا فكانوا هم الأسفلين وأضرموا النار لحرقه فكانت بردا وسلاما عليه، وهذا يعقوب عليه السلام يذهب بصره من ألم الفراق ثم يعود التواصل والتلاقي. و

النبي محمد الأمي يتيم الأبوين صلى الله عليه وآله رفعه الله ونصبه سيد الكون. وختم به الأنبياء. إن قلب العبد إذا تجرد من الإيمان أو ضعف عنده وازع الإسلام عاش حياة القنوط واليأس الذي يقضي على الحاضر ويهدم المستقبل ويرى الحياة سواداً موحشاً، يحسب أنْ الشر دائما لا ينجلي فيستبعد الفرج ويمزقه الهلع، مشيرا إلى قوله تعالى «إن الإنسان خلق هلوعا* إذا مسه الشر جزوعا* وإذا مسه الخير منوعا». فمن درى حكمة الله في جريان الأقدار وتصريف الأمور؛ فإن اليأس لن يجد إلى قلبه سبيلا مهما اظلمت المسالك وتكاثرت النكبات  وتوالت العقبات ونزلت الابتلاءات.

إن الإنسان إلى ربه راجع والمؤمن بإيمانه متمسك وبأقدار الله مسلم، وإن شر ما ابتليت به النفوس هو يأس يميت القلوب وقنوط تظلم به الدنيا وتتحطم معه الآمال، فلابد من الصبر على الابتلاءات والأمان بقدرة الله على الرخاء بعد الشدة.

التفاؤل يغير حياتك فيما أنت مكنته نفسك وانتصرت على القلق واستبدلت أهدافك. بدلاً من الولولة على مافات. فالبنتيجة إن المشكلة حدثت. والحزن وإعادة شريط المآسي لا يجدي نفعا سوى أن يُدخلك في دائرة من الاكتئاب والشلل في العمل، ويمنعك عن التقدم وممارسة حياتك بصورة طبيعية. إبحث عن حلول بديلة وتقبل ما قسمه الله لك.

فالصبر صبران صبر على ماتكره وصبر عما تحبّ. أو ابحث عن سبب الكآبة التي تعيشها. أوجد الحلول لمتاعبك تنتهي المشكلة لا تتهرب قابل مخاوفك بجرأة وتقبلها مهما تكن النتيجة بالنهاية لابد من طوي تلك العقبة التي شغلتك، وتعود لحالة نفسية أفضل. استمتعوا بالحياة بكل فصولها.  وفي كل لحظة منها. فمن يصر أن يكون سعيدا حتماً سيعثر على السعادة.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق