كريمة الفقيه الشيرازي تروي لنا من حياة الوالد الشهيد

شارك الموضوع:

وكان دائم الذكر، دَعّاءً، مبتسم الوجه، منشرح الصدر، رقيق القلب، وأحياناً كان يذاع صوت مصيبة أهل البيت

إن التباين والاختلاف بين عامة الناس والعلماء واضح وجلي إذ إن الأول قد لا تستفيد أو لا تتعلم أو حتى لا تتأثر بحياته شيئا أو القليل منه، أما الثاني فكل لحظة من لحظات عمره هي دروس وعبر ونصح وموعظة كي يتزود منها الآخرون من صغائر الأمور إلى كبائرها، فهم كالشمس الساطعة التي يستفيد الجميع من أشعتها، لذا كانت معنا كريمة الفقيد فقيه أهل البيت آية الله السيد محمد رضا الشيرازي في ضيافة بشرى حياة لتطلق العنان للذكريات عن الوالد الفقيد (قدس) ولتحدثنا عنه:     

  • اهتمامه بالنصح:

 كان الوالد (قدس سره) من العاملين بهذا الحديث الشريف: (عليكم بالنصح لله في خلقه فلن تلقوه بعمل أفضل منه). لذا كان ينتهز صغار الفرص لهداية الناس، فحينما يعود من زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) يكلم السائق ويسأله عن أحواله المعيشية، وقد لا يتجاوب السائق في باديء اﻷمر ولكن بمرور الوقت (لما يراه من اﻷخلاق الرفيعة والمحبة وطيب الكلام) يصل به المطاف أحياناً أنه يتشجع ويتشوق إلى التأليف الذي أمره به في بداية الطريق، فقد سأل (قدس سره) السائق: (هل تتشرف بزيارة السيدة معصومة (سلام الله عليها) عند ذهابك إلى قم؟ (إذ إن عمله كان بين طهران وقم)، فلم يعر السائق لسؤاله اهتماماً وأجاب بالنفي، لكنه تكلم معه ونصحه حتى أنه قال في النهاية سوف أزور السيدة معصومة في كل مرة عند قدومي إلى قم.

وقد كان يشجع البعض ليس على الدين فقط بل على الدنيا فكان ينصحهم على التجارة كي لا يضطروا إلى الحرام، ومرة اشتكى أحد السواق ضعف أحواله المعيشية فقال له تاجر فإن في التجارة بركة.

عند رجوعنا من مشهد المقدسة آخر مرة رأينا شخصاً يتجه بلهفة واشتياق إلى السيد الوالد ورحب به ترحيباً حاراً، فعرفنا لاحقاً أنه سائق السيارة التي استقلها قبل مدة من الزمن، فكان هذا اإستقبال نتيجة تلك اﻷخلاق الطيبة والمعاملة الحسنة.

  • دائم الذكر لله ومهتما بالصلاة:

 كلما رأيناه سواء كان صامتاً أو متكلماً قائماً أو قاعداً يذكر الله أو اﻵخرة وسمعته أنا شخصياً يكرر هذه العبارات مرارا: يجب أن نذهب من هذه الدنيا ونتهيأ للآخرة.[1]

كنا نراه حينما يتهيأ للصلاة بعدة دقائق قبل اﻷذان، وصلاته الخاشعة التي قلما تأخرت عن موعدها ومرة رأيته يصلي بعد اﻷذان بدقائق فتعجبت جداً ثم تبين لاحقاً أنه طرأ له موعداً عاجلاً فاضطر للذهاب إلى الموعد وتأخرت صلاته لدقائق.

وكان دائم الذكر، دَعّاءً، مبتسم الوجه، منشرح الصدر، رقيق القلب، وأحياناً كان يذاع صوت مصيبة أهل البيت فكان يدع أي شيء يقوم به كمطالعة الكتاب.. وكان يجلس جلسة الحزين ودموعه تجري على خديه وربما تكلم أحد الصغار عند ذكر المصيبة فكان يقول استمعوا إليها.

  • اهتمام السيد الوالد (قدس الله نفسه الزكية) بأمور الشيعة:

فقد كان (قدس سره) مهتماً جداً بأمور الشيعة باﻷخص شيعة العراق وكان ينقل أخبار العراقيين لنا باستمرار وكان يتعاطف جداً معهم[2]، أتذكر يوماً نقل لنا على الغداء قصة الطفل العراقي الذي لم يتمكن النوم من شدة الحر فكان متأثراً جداً ولم يتمكن من النوم في تلك الليلة من شدة التأثر لمأساة المؤمنين، كان يتألم جداً ويقول:

«لا حول ولا قوة إلا بالله» "ولا إله إلا الله" مرات عديدة وكان يبشر بمستقبل زاهر للعراق.

وفي أيام شهادة اﻷئمة (ع) ما كان يشتري شيئاً من الطعام والفاكهة للبيت وإن كان ضرورياً ولازالت هذه السنة الحسنة جارية في البيت وكان يذكرنا باستشهاد اﻷئمة مسبقاً (باﻷخص يوم الثامن من شوال) لنلبس أطفالنا الأسود.

  • حبه الشديد للأطفال:

كان الجد (قدس الله نفسه الزكية) يحب الأطفال جداً وكان يداعبهم ويلاعبهم ويروي لهم القصص[3] والسيد الوالد أيضاً كان يحبهم ويلاعبهم ويلبي طلباتهم وكان اﻷطفال أيضاً يحبونه جداً فأحد اﻷطفال كان مصرّاً على تقبيل قدميه كل مرة وطفل آخر بمجرد دخوله إلى البيت يركض تجاهه فكان السيد الوالد يجلس ويفتح ذراعيه لكي يحتضنه.

  • شدة احتياطه:

عندما كنا نسأله عن مسألة شرعية كان يفتح كتاب العروة الوثقى ومن شدة إلمامه بالكتاب كان يفتح نفس الصفحة أو صفحة قبلها أو بعدها (المربوطة بالمسألة). وفتح كتاب العروة الوثقى كان احتياطاً لنفسه أولاً وثانياً كان درساً لنا للاحتياط من الرد على المسائل كما في الحديث الشريف (الاحتياط طريق أو سبيل النجاة).

  • النظم والدقة في مواعيده:

كان دقيقاً جداً في مواعيده بحيث بات مشهوراً لا يتقدم ولا يتأخر دقيقة واحدة عن موعده، وكان شديد النظم حيث يقول أمير المؤمنين (ع): «أوصيكم بتقوى الله ونظم أنفسكم»، ويذكر لتلاميذه دائما: إذا تأخرت اعلموا أنه حدثت لي مشكلة فاذهبوا. وفي كل ليلة جمعة كان يذهب إلى حرم السيدة معصومة (سلام الله عليها) فكنا نذهب معه أحياناً وقد كان يتأخر في بعض الليالي عن موعده الذي وعدنا فيتبين أن جماعة أتوا عنده وطلبوا منه جواب مسائل شرعية أو حل مشكلة أو ما شابه.

  • إدخال السرور على الجيران:

قال رسول الله (ص): الخلق عيال الله، فأحب الخلق إلى الله من نفع عيال الله وأدخل على أهل بيت سروراً».

فكان رحمه الله بقدر وسعه يلبي طلبات الناس ويقضي حوائجهم ويزورهم وبذلك يدخل عليهم السرور.

في يوم ما جاء جارنا وطلب من الوالد أن يأتي ويزور والده الذي أجريت له عملية القلب، وحدد للوالد ساعة معينة فلبى السيد الوالد طلبه وذهب إلى زيارته وسرّوا بذلك كثيراً.

  • تعامله مع والدته:

الجدة (حفظها الله) كانت ولا زالت لها علاقة شديدة بسماع مناقب أهل البيت، وبالأخص مناقب أمير المؤمنين (ع)، وكان الوالد يذكر لها مناقبهم (عليهم السلام) يومياً، ولشدة حرصه على مراقبتها نقل مكتبته لبيت والده حتى يكون بجانبها (لكي لا تشعر بالوحدة باعتباره الولد البكر) فكان من بعد أو قبل صلاة الصبح (والسماء مظلمة) يخرج من البيت ويذهب إلى بيت والده ويهيء لها طعام الفطور.

  • صلة الرحم:

 لصلة اﻷرحام أهمية خاصة عند الوالد، فالقريبين منهم يذهب لزيارتهم، والذين يبعدون عنه وفي مدن أو محافظات أخرى كان يتصل بهم.

ويقترح علينا أن نذهب لزيارة إحدى اﻷرحام (التي كان لها مجلس أسبوعي) وكان يقول: إذا لم تتمكنوا في كل أسبوع فتناوبوا وفي كل جمعة كان يسألنا من منكم ذهب إلى بيتها وكان يسر كثيراً لذهابنا إليها.

ومرة قرر اﻷرحام زيارة إحدى القريبات فنسوا ذلك الموعد فبلغ الخبر الوالد فتأثر كثيراً وذكر الجميع ولكي يسرها (مع أن الموعد لم يكن معه) ذهب شخصياً لزيارتها.

  • خشوعه مع الله تعالى:

في إحدى ليالي الجمعة سمعت صوتاً حزيناً باكياً ففتحت باب الغرفة فرأيت السيد الوالد وهو مشغول بقراءة دعاء كميل وهو يبكي بكاءً شديدأ وكنا نراه في عصر الجمعة حين استماعه إلى دعاء السمات في حالة من التفكر والتأمل في الله.

  • الزهد:

أحد اﻷشخاص اعترض على الامام لملابسه الفاخرة فقال الامام: أما هذه الملابس للناس وأما هذه  الملابس الخشنة ف لله (مضمون الرواية) وكان السيد الوالد متأسياً بالأئمة فكان يحافظ على مظهره ولكن كانت ثيابه متواضعة جداً حتى أنها كانت مرقعة أحياناً. أحياناً كانت ملابسه «مشگوگة» فكان يخيطها بنفسه (بما أنه ما كان يسمح لنا بخياطتها وكان مصراً  بنفسه».

  • الوصايا التي كان يوصي بها دائماً:

للأطفال: يجب أن تصبح عالماً كبيراً خلوقاً متقياً.

للأصهار: العمل والفعالية لخدمة التشيع وتقدم الشيعة.

للعائلة: الصلاة في أول الوقت، صلاة الليل، أدعية يوم الجمعة وبالأخص الندبة، الأخلاق، الجيران والأرحام، الحث والتشجيع لطلب العلم.

للطلاب: الجد والاجتهاد في طلب العلوم الدينية.


[1]. وفي مضمون الحديث: عاشروا اناساً تذكركم الله رؤيته.
[2]. وكما نرى انه يتطرق كثيراً إلى قضية العراق في محاضراته.
[3]. قصص اﻷئمة.

شارك الموضوع:

اضافة تعليق