المستثمر وآلية الصرف المالي

شارك الموضوع:

ن المستثمرين العاديين لا يحققون الأرباح التي تحققها مؤشرات السوق

ما المواصفات التي تنطبق على المستثمر الناجح في المجتمع؟

افترضت النظريات الاقتصادية الأساسية أن العملية الاستثمارية تتضمن معرفة جميع المعلومات الموجودة المتعلقة بالاستثمار، وتفترض هذه النظرية بأن القرارات العقلانية تتخذ وفق حسابات خالية من أي أخطاء، بناءً على المعلومات الشاملة والكاملة المتاحة دائمًا لمتخذ القرار.

حقيقة سلوك المستثمر

عام 2001، نشرت دالبار Dalbar -وهي شركة أبحاث خدمات مالية- بحثًا بعنوان «التحليل الكمي لسلوك المستثمر»، وكانت خلاصة البحث أن المستثمرين العاديين يفشلون باستمرار في تحقيق عوائد أكبر أو تساوي عوائد المؤشرات العامة للسوق.

كشف البحث الذي درس فترة 17 عامًا -حتى نهاية عام 2000- أن متوسط عوائد مؤشر 500-S&P السنوية بلغ 16.29%، بينما بلغ متوسط عوائد مستثمري حقوق الملكية 5.32% في الفترة ذاتها، ولا شك أن 9% فرق كبير!

وكشف البحث أيضًا أن متوسط الربح السنوي لمستثمر الدخل الثابت بلغ 6.08%، بينما كسب مؤشر السندات الحكومية طويلة الأمد 11.83%.

في متابعة للدراسة عام 2015، كشفت دالبار مجددًا أن المستثمرين العاديين لا يحققون الأرباح التي تحققها مؤشرات السوق، وكانت النتيجة تحقيق المستثمرين العاديين في صناديق استثمار حقوق الملكية أرباحًا أقل من مؤشر S&P 500 بفرق 8.19%.

فقد حقق السوق عوائد أكثر من ضعف العوائد التي حققها المستثمر الاعتيادي في صناديق استثمار حقوق الملكية 13.69% مقارنة بـ 5.50%.

وحقق المستثمرون في صناديق استثمار الدخل الثابت أرباحًا أقل من أرباح مؤشر سوق السندات المعيارية بفرق 4.81%. يقدم التمويل السلوكي بعض التفسيرات لحدوث هذه الظواهر.

الخوف من الندم

تدرس «نظرية الندم» رد الفعل العاطفي الذي يمر به الناس بعد إدراكهم أن قرارهم كان خاطئًا.

فيما يتعلق ببيع الأسهم، يتأثر الناس عاطفيًا بسعر شرائهم للسهم، لذلك يتجنبون بيعه لتجنب الشعور بالندم حيال استثمارهم السيئ، وتجنب حرج إخبار الآخرين بخسائرهم، فجميعنا نكره أن نكون مخطئين.

عند التفكير ببيع سهم، يجب على المستثمر سؤال نفسه: «هل هناك عواقب لإعادة نفس العملية (شراء وبيع السهم) في حال استخدمت الأموال الناجمة عن البيع في إعادة الاستثمار بالسهم ذاته؟».

في حال كان الجواب «لا» يجب على المستثمر بيع السهم، وإلا سيندم المستثمر على شراء سهم خاسر وأيضًا على عدم بيعه عندما اتضح أن القرار الاستثماري كان خاطئًا.

نلاحظ صحة نظرية الندم أيضًا عند اكتشاف المستثمرين ارتفاع قيمة سهم قد فكروا سابقًا في شرائه ولكنهم لم يشتروه، فيتجنب بعض المستثمرين هذه الاحتمالية بواسطة شراء السهم الذي يشتريه الجميع، مبررين فعلهم هذا بأن «الجميع يفعله».

سلوك المحاسبة العقلية

يختلف تصنيف الأحداث وتحليلها بين عقول الناس، وأحيانًا يؤثر اختلاف تصنيف الحدث ومكانته في أذهاننا في سلوكنا بدرجة أكبر من تأثير الحدث بحد ذاته.

على سبيل المثال، فلنفترض أنك ذاهب إلى المسرح لتشاهد عرضًا مسرحيًا، وثمن تذكرة الدخول 20$.

وفي طريقك إلى المسرح، تكتشف أنك فقدت مبلغ 20$، هل ستدفع مبلغ 20$ لتشتري تذكرة الدخول رغم فقدانك 20$ مسبقًا؟

وجد التمويل السلوكي أن 88% من الناس سيفعلون ذلك.

ولنفترض افتراضًا ثانيًا، هو أنك اشتريت التذكرة ودفعت ثمنها مسبقًا، وبعد وصولك إلى المسرح، اكتشفت أنك نسيت تذكرتك في المنزل، هل ستدفع 20$ لشراء تذكرة مرة ثانية؟

بعد إجراء استجواب، أجاب فقط 40% من الناس أنهم سيشترون تذكرة ثانية.

نلاحظ أنك في المثالين ستخسر مبلغ 40$ ولكن اختلف القرار مع اختلاف القصة رغم ثبات المبلغ، وذلك بسبب اختلاف مكانة الحدث في أذهاننا، أليس ذلك أمرًا غريبًا؟

نلاحظ أفضل تمثيل للمحاسبة العقلية في مجال الاستثمار عند تردد المستثمرين حول بيع استثمار كانت أرباحه مرتفعة سابقًا وأصبحت أرباحه قليلة..

فرط ثقة المستثمر

من الشائع أن يقيم الشخص إمكانياته فوق عامة الناس، وأن يزيد من تقييم دقة معرفته وصحتها وأن يشعر أنها تتميز وتتفوق على معرفة الآخرين.

ويؤمن العديد من المستثمرين أنهم يستطيعون دائمًا التدخل في السوق في الوقت المناسب، ولكن الأدلة في الواقع تثبت عكس ذلك.

يؤدي فرط الثقة إلى المبالغة في العمليات التجارية، واستنزاف تكاليف التجارة للأرباح.

وكشفت دراسة حديثة أن الناس يكونون أكثر محافظةً بكثير عند اتخاذهم للقرارات الاستثمارية نيابةً عن أشخاص مقربين منهم، ويتحملون مخاطرة في محفظة استثمارية مخصصة لأحد الأبناء أقل من المخاطرة التي يتحملونها في محافظهم الاستثمارية بمقدار الثلث.

ويميل المستثمرون إلى أن يكونوا أكثر محافظةً عندما يكون الاستثمار في أحد الحسابات الهامة في ثقافة المجتمع مثل حساب التقاعد أو مدخرات التعليم الجامعي.

وتدرس أبحاث أخرى في الوقت الراهن مدى تأثير العلاقات الاجتماعية في القرارات المالية، وعلى صعيدٍ أعلى، ثقافة المجتمع أيضًا.

 «من المهم أن ندرك أن السوق لا يعمل كما تظن النماذج الكلاسيكية، وتوجد أدلة عديدة تثبت سلوك القطيع، وهو مفهوم التمويل السلوكي عن المستثمرين الذين يتبعون ذات المسار على نحوٍ غير عقلاني، ولكنني لا أعلم فائدة هذه المعلومات بخصوص إدارتك أموالك. وسأبقى غير مقتنع أن أي شخص سيجني النقود باستمرار باستخدامه هذه المعلومات».

بعد معرفة محدودية سلوك الإنسان واتخاذه القرار، يستطيع الناس تصويبها أو التأقلم معها، ما يعني أيضًا أن الأسواق ليست بالكفاءة التي تظنها النظريات التقليدية، ما يفسح المجال أمام المستثمرين الأذكياء للاستفادة من سوء التسعير الحاصل في السوق وتحقيق الأرباح.

يُقال إن المستثمرين أسوأ أعداء لأنفسهم. إن محاولات توقع اتجاه السوق ليست مجدية على المدى الطويل، والحقيقة أنها غالبًا ما تؤدي إلى سلوك غريب وغير عقلاني، إضافةً إلى تكبدك بعض الخسائر.

قد يفيدك وضع استراتيجية مدروسة جيدًا والالتزام بها في تجنب العديد من هذه الأخطاء الاستثمارية الشائعة.

المصادر:
مقالات مترجمة:  كميت خطيب، تدقيق: مازن النفوري.
شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق