الأمم وأزمة التبعية

271 2017-12-27

تعدد خلق الخالق من كائنات حية وغير حية بأشكال متعددة ومختلفة وسخّر كل ماخَلق لخدمة الانسان الذي ميزه وفضّله على الخلائق بما وهبه من عقل ليختار به طريقه ومسيره، وأصبح العقل الميزان الذي من خلاله يُقاس الانسان ويُحاسب ويُحمد من خلاله أيضاً.

ومع كل ما بينه رب الجلالة من أهمية للعقل، وأهمية بناء الانسان لفكره وتغذيته بالغذاء الجيد والمفيد، حيث قال تعالى: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ(سورة الحج، 46)

وقال رسوله الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم): "لكل شيء آلة وعُدّة، وآلة المؤمن وعدَّته العقل، ولكلِ شيء مطية ومطية المرء العقل، ولكلّ شيء غاية وغاية العبادة العقل".

للأسف نرى الكثير يستغني عن عقله ويغفل عن الاهتمام به فيكون تابعاً لغيره بالفكر والرأي من دون أن يشعر، فيصبح معدوم الشخصية لا يُعطي رأياً خاصاً به ويعتمد في رأيه على الآخرين، بل يتبنى آراء غيره بدون أن يُفكر بها أو يبحث عن مدى قبولها، فيصبح بذلك تابعاً مُقلداً لغيره في فكره واهتماماته وحتى في ملبسه.

 فما بين عالم ومخترع، وحاكم ومصلح، ينقسم الناس الى أتباع لطوائف عِدة وشخصيات، وكل طائفة تُدافع عمّن تتبعه، ولا ترضى حتى بهمسة تسوؤه، أو نسبِ عملٍ غير مُحبب له، فكل جماعة تُدافع عن متبوعها بكل ما لديها، وتُنزهه عن كل ما لايليق، فتجعله بذلك معصوماً لا يُخطىء، تمدح مع تعجبها الفائق إن قام بعمل خير؛ بالرغم من أن الطبيعي في الخلق والمطلوب منهم أن يُلازموا الخير ويبتعدوا عن كل صفات الشر والباطل...

لكن في زماننا هذا نلاحظ العجب والاستغراب من فعل الخير، ومن التخلق بأخلاق طيبة وحسنة. وهذا ما أدى بمجتمعاتنا إلى التراجع والهوان، ومكَّنَ أصحاب النفوس الضعيفة من أن تَعيث فساداً.

فلو ان كل شخص توجه لإصلاح نفسه واهتم بها، وانتقد كل فعل مشين لما وصل الحال لما هو عليه اﻵن.

فها قد آل التصفيق والثناء الخارج عن حده إلى تمادي الحاكم بسُلطته، وتمادي الموظفين والمسؤولين بالتقصير في عملهم.

ودَبت فيهم صفة التعالي والشعور باﻷفضلية والتميز؛ والحق (إن أكرمكم عند الله أتقاكم).

نعم، الشكر والتحفيز والثناء على العمل الجيد مطلوب لكن لحدٍ مُعين.

ففي هذه الحال يكون عقل التابع في سُبات إلا إذا تنبه لذلك وامتلك الاصرار والارادة القوية لتغيير ما هو عليه.

لكن ياتُرى ما سبب ذلك؟ وما الذي أدى به أن يكون كذلك؟ لو تمعنا بهذا الأمر لوجدنا إن جذور ذلك تعود لنشوء وتربية الشخص منذ ان كان طفلاً، فبناء شخصية الانسان تبدأ منذ صغره وتتكامل شيئاً فشيئاً.

فتعويد الطفل على ابداء الرأي والمشاركة والاستماع له وتقوية ثقته بنفسه، له تأثير على بناء فكره وقوة شخصيته، ولأن الكثير يهملون أولادهم وهم أطفال ويعاملونهم على أنهم لا يفهمون شيئاً ويكون جُل اهتمامهم بأولادهم بالتغذية الجسدية من مأكل وملبس ويهملون تغذيتهم الفكرية، ينشأ هؤلاء الأطفال وهم مُتكلون على غيرهم يتبعون ما يرونه أمامهم ويَدَعُونَ لغيرهم رسم طريق حياتهم.

 ويحتاج لأن يعي ذلك مَن تخلى عن فكره وعقله وينتبه لنفسه، وكيف يسير في حياته؟، وما الذي يريد أن يصل إليه؟ فيرسم طريق حياته بيده وكما يُحب.

فكل فرد هو يُشكل حركة، وله دور فعّال، فكلكم راع وكلٌ مسؤول عن رعيته، كما بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

لكن البعض أصبح وللأسف تابع ﻷسماء صنعها المجتمع، وأصبح يُبجلها أشد تبجيل، وكأنما هي مُخلصّه ومُنجيه من الهلاك...

يا للهول! ماذا نصنع بأنفسنا؟

أين وصل تفكيرنا؟!

لابد من التوقف والانتباه من هذه الغفلة.. علينا النهوض بأنفسنا وبواقعنا وبعقولنا

فبرقي العقل نرتقي.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز