في محراب علي اوقدت شمعتي


في حجرة تميزت بالطابع القديم، معلقة على جدرانها بقايا من تفاصيل الماضي، كتب متكئة على بعضها يساندها الجدار، حبات من الرمال المتساقطة من السقف تتلمس فناءها، انارة تدخل من النافذة، وتخفت رويداً رويدا عند منتصف النهار، ويلتهمها الظلام في الليل فيغلق النافذة ويوقد شمعة، بين صمت الليل وظلام السماء حكاية لا يعرفها الا من ذاب عشقا في وصال العلم، تنتهي رحلة العشق ببزوغ الفجر، ويبدأ في تحقيق بقية امنياته، يذهب الى الدرس العلمي الذي كان يقام في دار والده، في مدينة تبريز، ويكمل اليوم في الاستماع الى الاحاديث العلمية ومناقشتها على يد خيرة العلماء وافضلهم، يطل من ركام الحياة وهمومها باحثا عن شيء ثمين ينال بأثره الخير الكثير، أنهى دراسة السطوح، وبدأ بدراسة البحث الخارجي وبين تحقيق الحلم ونيال المطالب تبقى الخطوة الاولى هي تنفيذ ما ترغب في حصوله وهذا ما فعله الشاب الاميني حيث غادر مدينته الذي ولد فيها وعاش بين اورقة حاراتها فقد ولد في تاريخ لا ينسى (1320 هـ - 1390 هـ / 1902 م - 1971 م) حفظه التاريخ بين اوراق ذاكرته وبعد هذا العمر جاء اليوم الذي يترك فيه مدينته تاركا خلفة الذكريات والاحبة، متجها نحو مدينة مشرفة (النجف الأشرف) واستوطن فيها، لمتابعة دراسته والنيل من مدينة الامام علي بالعلم.

 الطريق نحو النجف طويل ويحتاج الى زاد فكان زاده التقوى وماءه الذكر وردءاه العلم حتى تلك المسافة لم تشغله في طلب العلم فكان يقرأ ويدون ما حفظه في الطريق، حتى لقب بالعلامة الأميني، وعندما نبحث في شجرة عائلته تجد انه نال لقب الاميني من جده أمين الشرع، من فوق رأسه ينسل شعاع العلم وتاج الادب، اقتربت الخطوات فأدرك أن الهواء في مدينة النجف لا مثيل له، يمد يده ليقتبس من شعاع المدينة نورا وعلما فأخذ قلبه يرغف منها، كل مافي المدينة يرسل له باقة حب وترحيب، حتى تلك الحمامة البيضاء ترتل على مسامعه (مرحبا) ايها الاميني. كجائع يحتاج الى رغيف يقوي به جسده هكذا كان جائعا لطلب العلم وعقله كان يرغب في المزيد والمزيد فواصل دراسته على يد كبار العلماء والمجتهدين في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، حتى صار علماً من أعلامها، ونال درجة الاجتهاد فمنحه كبار العلماء إجازات في الفقاهة والاجتهاد، ومن هؤلاء العلماء: المرجع الكبير السيد أبو الحسن الإصفهاني، والميرزا حسن النائيني، والشيخ محمد حسين الكمباني، والشيخ عبد الكريم الحائري، والشيخ محمد آل كاشف الغطاء، وغيرهم.

كما وقد مُنح إلى جانب تلك الإجازات إجازات عديدة في الرواية، التوفيق كان معه في كل خطوة يخطوها، لذلك مضت اربعين عاماً من حياته في تأليف موسوعة الغدير، وكان يقوم بجهد علمي كبير فكان يبذل جُل وقته في المطالعة والكتابة والاستنساخ بحدود ستة عشر ساعة في اليوم، ولم يدع فرصة تفوته في الحصول على المصادر والنسخ الخطية النادرة، وقد كان يواجه البخل والانانية من قبل أصحابها أحياناً، وحتى من رجال العلم والدين، و كان رحمه الله يضطر كثيراً إلى إستنساخ الكتاب في ظروف صعبة كأن يبقى في المكتبة طوال الليل ساهراً ومشتغلاً بالاستنساخ بعد الاتفاق مع خادم المكتبة فكان الخادم يقفل عليه الباب ويذهب إلى بيته، أما العلامة الأميني فكان يشتغل حتى الصباح باستنساخ الكتاب ليستفيد منه لاحقاً.

لم يرَ راحة النوم في حياته، فكان يشغل وقته بالبحث حتى عرف انه قرأ حسب ما صرح به لعدد من المقربين لديه حدود عشرة آلاف كتاب من اوله إلى آخره بدقة، وقد راجع ما يقارب مائة الف كتاب حتى تمكن من تأليف هذه الموسوعة القيمة التي أثنى عليها الصديق والعدو لتميزها وقوة أسانيدها وإلتزامها الامانة العلمية.

في منتصف العمر بدأت ملامح التعب تظهر عليه فليس من السهل ان يقضي سنوات في تأليف كتاب، وكان يعاني من آلام كثيرة و كان يُخفيها ولا يتحدث عنها، ويصبر على نفسه بذكر علي واهل بيته وكلما طرق عليه الهم اوقد في محراب علي شمعة وطلب منه العون والتوفيق، فكان الجواب هو خذ ما تتمنى ايها الاميني فلك ما تشاء.

اخذه الحنين الى مدينته فعاد إلى مسقط رأسه تبريز وأقام بها مدة منشغلاً بالوعظ والإرشاد، وبدأ بتفسير ايات الكتاب وتعليم الناس احكام القران وعلومه، ثم عاد مرة أخرى إلى النجف الأشرف وواصل حضور دروس كبار علمائها آنذاك كالسيد محمد باقر الحسيني الفيروز آبادي، والسيد أبو تراب الخوانساري، سافر إلى بلدان كثيرة، منها بلاد الشام وإيران والهند والحجاز وتركيا، وجلس في داره معتكفًا بمكتبته الخاصّة، متفرّغًا للكتابة، لا يعرف الملل او الوقوف عند مرحلة من العلم فكان يقضي ليله بالعبادة فإذا قرب الفجر قام وادى صلاة الليل وقرنها بفريضة الصبح، ثم جلس يتلو القرآن حتى ينهي جزءا كاملا كل يوم، وبعد تناول طعام الصبح يعكف في مكتبته الخاصة، حتى يحضر عنده تلامذته للمناقشة في الفقه والاصول....

وجاء اليوم الذي حصل على تكريم من الامام علي (عليه السلام) فقد سمعت عن الشيخ الأميني هذه القصة: فيما كان العلامة الأميني (قدس سره) مشغولاً في تأليف موسوعته (الغدير)، فاحتاج إلى أحد الكتب النادرة فلم يحصل عليه، فبدأ يسأل ويبحث عن الكتاب ولكن دون جدوى، وأخيراً لجأ إلى حرم أمير المؤمنين (ع) يشكو لذلك العظيم ما يعانيه في طلب الكتاب وفي ليلة من الليالي رأى فيما يرى النائم أن الإمام أمير المؤمنين (ع) قد جاءه وقال له: إن الكتاب الذي تريده والذي فيه الرواية التي تحتاج إليها يوجد عند العلامة الآلوسي (وهو من أسرة العلامة صاحب تفسير روح المعاني) وكان كبير علماء بغداد انذاك وموجود في مكتبته الخاصة، وقد ذكر له (ع) الرف والكتاب والصفحة والسطر الذي تبدأ فيه الرواية، ومن الجدير بالذكر أن الألوسي هذا هو الذي أفتى بقتل الأميني. وفعلاً توجه الشيخ الأميني إلى الأعظمية والتقى بالعلامة الآلوسي وحدثت خلال ذلك مفارقات كثيرة، وتمكن الشيخ الأميني من الحصول على ضالته ورجع ظافراً بقضاء حاجته، بعدها افتى الشيخ الالوسي هذه المرة بعدم قتله، وأصبح من خلّص أصدقائه.

لم يتوقف عند هذه الكرامة فقط بل نال ما كان يرجو ان يناله من الخير فقد سمعت هذه القصة عن الامام علي (عليه السلام) والشيخ الاميني عند الكوثر نقل الشيخ حسين الشاكري عن آية الله العلامة الورع المرحوم السيد محمد تقي الحكيم صاحب كتاب (الاصول العامة للفقه المقارن) في النجف الأشرف بعد وفاة العلامة الأميني رضوان الله عليه قال: حدثني أحد علماء خوزستان الأجلاء قال: رأيت فيما يرى النائم، كأن القيامة قد قامت، والناس في المحشر يموج بعضهم في بعض، وهم في هلع شديد، وفي هرج ومرج، كل واحد منهم مشغول بنفسه، ذاهل عن أهله وأولاده، وينادي: إلهي نفسي نفسي النجاة، وهم في أشد حالات العطش، ورأيت جماعة من الناس يتدافعون على غدير كبير، من الماء الزلال، تطفح ضفتاه، وكل واحد منهم يريد أن يسبق الآخر لينال شربة من الماء، كما رأيت رجلا نوراني الطلعة، مهيب الجانب يشرف على الغدير، يقدم هذا ويسمح لذاك أن ينهل ويشرب، ويذود آخرين ويمنعهم من الورود والنهل. قال: عند ذلك علمت أن الواقف على الحوض والمشرف على الكوثر هو الإمام علي أمير المؤمنين (ع)، فتقدمت وسلمت على الإمام (ع) فاستأذنت منه لأنهل من الغدير وأشرب، فأذن لي، فتناولت قدحاً مملوءا من الماء فشربته، ونهلت. وبينما أنا كذلك إذ أقبل العلامة الأميني (قدس سره) فاستقبله الإمام بكل حفاوة وتكريم معانقا إياه، وأخذ كأسا مملوءا بالماء وهم ان يسقيه بيده الشريفة، فامتنع الأميني في بادئ الأمر، تأدبا وهيبة، ولكن الإمام (ع) أصرّ على أن يسقيه بيده الكريمة، فامتثل الأميني للأمر وشرب. قال الشيخ: فلما رأيت ذلك تعجبت، وقلت: يا سيدي يا أمير المؤمنين، أراك رحبت بالشيخ الأميني، وكرمته بما لم تفعله معنا، وقد أفنينا أعمارنا في خدمتكم وتعظيم شعائركم، واتباع أوامركم ونواهيكم، وبث علومكم؟! فالتفت إلي الإمام (ع) وقال: "الغدير غديره" فاستيقظت من نومي وقد عرفت حينذاك ما للعلامة الأميني من منزلة عند الله عز وجل وعند رسوله الكريم وعند أمير المؤمنين (عليهم السلام). قيل لا ينالها لا ذو حظ عظيم فكان هذا الشيخ من ذوي الحظ العظيم ونالها بكل فخر واعتزاز لما قدمه طيلة حياته ومن اهمها موسوعة الغدير و تأسيس مكتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) العامة في النجف الأشرف في عام 1373هـ.

 لم يبقَ من العمر كالذي رحل فالمرض يلازمه وبدا نحيلا يتوسد الفراش في سنة 1968 م حتى وفاته في صيف سنة (1970 م) تعالج على عدة أطباء في بغداد ودخل المستشفى، وبعدها رحل إلى طهران لإتمام علاجه غير أن الحالة الصحية ساءت كثيرا، على الرغم من كل المحاولات التي بذلها الأطباء في بغداد وطهران لكن لابد من انهاء المشوار. فكان يوم الثامن والعشرين من شهر ربيع الثاني سنة 1390ه –1970م رحل الشيخ الاميني من دار الدنيا الى دار الاخرة وفكان ممن يقول الله عنه والاخرة خير لك من الاولى في مدينة طهران. ونقل جثمانه الطاهر بالطائر إلى بغداد، ثم إلى النجف الأشرف، حيث يرقد جسده، وصل الخبر الى المدينة شارك في تشييعه الكثير حتى اصبحوا كالسواد في يوم الثامن من شهر جمادى الأولى..

ومن الجميل ان يطوف بجنازته حرم المولى ابو الحسن علي فكانت روحه ترتفع مطمئنة راضية، صلى عليها المرجع الديني الأعلى السيد أبو القاسم الخوئي، ودفن في القبر الذي أعده الشيخ لنفسه بجوار مكتبته الخالدة، لروحه السلام ولجسده السلام ولقبره التحية والسلام يا ساكن ارض السلام، ولا يزال ذاكره في لسان المتعلمين والمفكرين وبقيت موسوعته منارا فكان كمن اوقد شمعة في الظلام فأنار عقولنا بتلك الموسوعة، الغدير. وكلما ذهبت نحو الغري اوقد له شمعة في محراب علي عليه السلام وعندما يسألوني لما هذه الشمعة اقول انها لشيخ عبد الحسين بن أحمد الأميني التبريزي النجفي.

المصادر / الشيخ الاميني الغدير غديره

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز