نفسك جوهرة فكيف تصونها وترعاها؟


أمر الله -سبحانه وتعالى- العباد بتهذيب أنفسهم وتزكيتها وتطهيرها من المعاصي والذنوب والعيوب كافّةً، قال تعالى في كتابه العزيز: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) سورة الشمس الآية 9_10. فمن ترك نفسه دون تزكية أو تهذيب فهو في خسارةٍ دائمة، ومن زكّاها وطهّرها ممّا يَعلق بها من الذّنوب هو الذي يُفلح وينجو من عذاب الله وينال رضوانه، فلا ينبغي للمسلم أن يُفسِح لنفسه المجال في فعل ما يحلو لها من اتِّباع الهوى، والخوض في حرمات الله وارتكاب المعاصي، بل يجب أن يجعل لنفسه محطّاتٍ دوريّةٍ يُراجع أعماله، ويُحاسب نفسه على تقصيرها إذا رأى أنه مُقصّر، ويُحفِّزها إذا وجد نفسه مُقبلاً على الله.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك: (الكَيِّسُ مَن دان نفسَه وعمِل لما بعدَ المَوتِ، والعاجِزُ مَن أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على اللهِ)، ولهذا فقد نبّه الكثير من العلماء إلى ضرورة مُراقبة النّفس وتهذيبها عملاً بالنصوص الواردة بهذا الصدد.

 وأما عن كيفية تهذيب النفس وما هي الطرق التي نتبعها لكي نُهذبها فلا بدّ للأنسان من أن يلتفت إلى الطرق التي يمكن استخدامها للقيام بهذا الأمر، وهذه الطرق هي:

أ - الوقاية: وهي بمعنى التوقِّي من أول الأمر بالحيطة والحذر، وتجنب ما يؤدي إلى الوقوع  في المعاصي والأخلاق السيئة، وهي أفضل وأسهل وسيلة لتهذيب النفس، لأن النفس قبل إصابتها وتلوثها تكون أكثر استعداداً للتخلق بأخلاق الله وعمل الخير، وتكون أقدر على مواجهة إغراء الدنيا ووسوسة الشيطان، ولذا فإن ترك المعاصي أيسر من الحصول على التوبة. يقول الإمام علي عليه السلام: (ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة، وكم من شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً). ولذلك فإن عمر الشباب هو عمر مناسب جداً لهذا الأمر، حيث ينبغي ألا يكون قد حصل التلوث بحبِّ الدنيا في هذا العمر.

ب - الترك المباشر: لو فرضنا أن الوقاية لم تنجح بشكل كامل، وابتلى الإنسان بالمعاصي وسوء الخلق، فإن أفضل وسيلة لعلاج ذلك هو الترك المباشر والدفعي للمعاصي، والتوبة مباشرة بتصميم قاطع، وإرادة قوية، والتغلب على الشيطان والنفس الأمارة بالسوء دفعة واحدة، وربما يحصل هذا الأمر نتيجة سماع آية أو حصول حادثة أو غير ذلك، ويمكن أن نلحظ هنا ذلك التحول الكبير والسريع الذي حصل في حياة بشر الحافي، ولم يكن هذا التحول إلا نتيجة كلمة قالها الإمام الكاظم عليه السلام وهي: (لو كان (بشر) عبداً لخاف من مولاه). وبالترك المباشر والدفعي للسيئات، نقطع الطريق على إبليس وأعوانه، ونتخلص من هذه الأمراض كما تخلص منها بشر الحافي.

ج- الترك التدريجي: إذا لم نستطع تهذيب أنفسنا دفعة واحدة، فيمكن أن نقوم بذلك بشكل تدريجي، بأن نقوم بترك ذنب أو مجموعة ذنوب، وبذلك نكون قد بدلنا نقطة سوداء في قلوبنا إلى نقطة بيضاء، ومن ثم نقوم بترك ذنب آخر، وهكذا إلى أن نكون بعد فترة قد ابتعدنا تماماً عن الذنوب، وأخرجنا الصفات السيئة من أنفسنا، وسددنا ضربة موجعة للشيطان، تضعفه عن محاولة إضلالنا وإسقاطنا في وادي الهلاك.

2- الأمور المساعدة على تهذيب النفس: وأما الأمور التي يمكن لها أن تساعدنا على تهذيبنا لأنفسنا، فهي:

أ- التفكر: إن الإنسان إذا انشغل بأموره الدنيوية، وغفل عن الآخرة وآثار أعماله فيها، فإنه لن يندفع لتهذيب نفسه، وهنا ما الحل؟ الحل في التفكر، التفكر في العاقبة، وفي نتائج أعماله في الآخرة، وفيما سيحصل له في عالم القبر ويوم القيامة. إن هذا التفكر سيلجم الإنسان عن ارتكاب ما يؤدي إلى سوء العاقبة. يقول الإمام علي عليه السلام: "من عمر قلبه بدوام الفكر حسنت أفعاله في السر والجهر.

ب - التأديب والمجازاة: يمكن للمرء أن يتوعد نفسه بالعقاب فيما لو ارتكبت المعصية، فإن فعلت عاقبها بأحد هذه الأمور: إما بالصوم يوماً، أو بدفع مبلغ مالي، أو بحرمان النفس من وجبة طعام، أو مما تشتهيه وهكذا.. وإن أقلعت يكون قد كبح جماحها، فلا يتهاون معها ولا ينساق مع العادات السيئة التي تحكمت بها. يقول الإمام علي عليه السلام: (تولوْا من أنفسكم تأديبها واعدلوا بها عن ضراوة عاداتها). ويقول عليه السلام: (نعم العون على أسر النفس وكسر عادتها الجوع).

ج - الإلتفات إلى قيم الذات وتقوية القيم الإنسانية: إن نفس الإنسان جوهرة ثمينة، جاءت إلى الوجود من عالم الكمال والجمال، فإذا أدرك الإنسان ذلك فإنه سوف ينأى بنفسه عن ارتكاب ما لا ينسجم مع مقامه كخليفة لله ومحلٍّ لتكريمه، لأن تلك النفس خلقت لتترفع عن الدنس والخطايا، ولترتقي في عالم القرب إلى الله، وهذا ما يدفع نحو تهذيب النفس، فعلى السالك عندها أن يقوم بأمرين:

الأول: أن لا يستجيب لتلك الصفة السيئة في نفسه.

الثاني: أن يعمل على تقوية تلك الصفة الحسنة المقابلة لها، ويفرض على نفسه العمل بها حتى يعتاد عليها تدريجياً، لتتحول إلى ملكة وصفة راسخة في نفسه، وفي ذلك يقول الإمام علي عليه السلام (عود نفسك فعل المكارم، وتحمل أعباء المغارم، تشرف نفسك، وتعمر آخرتك، ويكثر حامدوك).

وبما أن الأنسان ليس بمعزل عن مجتمعه كما أن المجتمع الذي يعيش فيه الفرد ليس بمعصوم عن أرتكاب الأخطاء. فقد يتعرض الفرد للضغوطات التي قد تمنعه من تذيب نفسهُ أو أنها تقف عائق بينه وبين طرق تهذيب النفس الأنفة الذكر, أو ربما يعتاد الفرد على ارتكاب المحرم متناسي أن نفسهُ قد غرقت في بحر المعاصي نتيجة أختلاطه في بيئة أجتماعية ترى الوقوع في الخطأ من الأمور الطبيعية وليس هناك من رادع لمرتكبي المعاصي, ونحن إذ نقول هذا الكلام لا ندعوا الأنسان الى أختيار العزله عن مجتمعهِ بل العكس عليه أن يهذب نفسهُ ويساعد الكثيرين في السير بخطاه والحذو بحذوه, وعليه أن يتبع بعض الأمور التي من شأنها أن تساعده في الحفاظ على نفسه وتهذيبها وذلك يكون بأمرين :

أ- ترك معاشرة أهل السوء: إن الإنسان يتأثر بأقرانه، سواءً من حيث يشعر أو لا يشعر، ولذا إن كان لا بد من صحبة فيجب أن يكون الأصحاب من الأخيار، الذين يُقرِّبُون من الجنة ويُبعِّدون عن النار، من هنا أكدت الروايات كثيراً على اتخاذ الأصحاب من المؤمنين الصالحين، وضرورة الابتعاد عن قُرنَاء السوء، لما لذلك من أثر طيب على المرء في اخلاقه وأعماله، بل وفي دينه، يقول الإمام علي عليه السلام: (احذر مجالسة قرين السوء فإنه يهلك مقارنه ويردي مصاحبه).

ب - الابتعاد عن الموارد التي يحتمل أن يضعف فيها بما أن الإنسان يتأثر بالأمور التي تحيط به، فإنه من الممكن أن يضعف في بعض المواطن، أو الحالات التي تتهيأ فيها أجواء المعصية، كمجالس الفسق والفجور ومراكز السوء، والخلوة بالمرأة الأجنبية والمزاح معها، والنظر إلى المشاهد المثيرة للغرائز والشهوات، من هنا كان عليه أن يبتعد عن تلك الموارد التي يقوى فيها الشيطان عليه، حتى لا يقع في المعصية، يقول الإمام علي عليه السلام: (إذا أبصرتِ العينُ الشهوة، عمي القلب عن العاقبة). إن الإنسان الذي يعنى بتهذيب نفسه لا بد أن يقدم على كل ما من شأنه أن يوصله إلى هدفه السامي، لكي يحث السير ويسرع في الوصول قبل فوات الأوان.

ج- حب الدنيا: والمراد بها حب الدنيا المذمومة بالنظرة الاسلامية.

 فعلينا بتهذيب انفسنا لأن ذلك سيعود بمنفعة للنفس بشكل خاص والمجتمع بشكل عام .

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز