إنك لعلى خُلق عظيم


في المنظور الاجتماعي المتطور فكرياً تعتبر الأخلاق مقياساً دقيقاً لوزن الشعوب والأمم والأفراد في الرقي والتحضر.. كما تعد الغلظة والقسوة ومساويء الطباع شاهداً على التخلف والتواء السليقة وبداوة المزاج.. وكان مَعلم الخلق الرفيع في جزيرة العرب ولدى جملة من الجماعات البدائية محتجباً في ستار صفيق إلا نادراً.. وذلك ما توحي به حياة الصحراء الجافة وعوامل التخلف العامة من جفوة في التعامل.. وهفوات في العشرة، وخشونة في الطبع.

وقد تعتبر الخصال الذاهبة مذهب اليسر والسماح.. المتقدمة في روح الإنسانية المتسامحة؛ نوعاً من التواضع أو الاستخذاء غير المحمود في أعرافهم؛ أو شيئاً من الاتجاه نحو إلغاء الفروق الطبقية بين الناس.. فعلية القوم والملأ من الزعماء والرؤساء لهم حق التعالي وسبيل الارستقراطية والانتفاخ القبلي دون سائر الناس في ميزان التعامل والصلات الاجتماعية.. تأكيداً على الذات.. واستخفافا بالآخرين.. فهم من الرعاع.. والقادة هم الحاكمون.. لا ينبغي – في هذا العرف الجائر- مساواة هؤلاء بهؤلاء.

وفي هذين المنظارين إسراف في التقدير.. وشطط في الفطرة.. وازدراء العامة من الناس.

والفطرة الانسانية بجوهرها الخالص من الزيف والدنس تأبى هذا التمايز.. وتدعو إلى المرونة في الانتماء إلى عوامل الرقة، ورهافة الذوق.. وتتطاول تجاه عذوبة المنطق ورشاقة الحديث، والتفاهم الاجتماعي.

أما العبوس والغطرسة وأسارير الوجوه المكفهرة ففي منأى سحيق عن سجية الفطرة البشرية.. فهي إقحام على النفس الإنسانية لا مسوّغ له تكويناً.. ولا طائل وراءه اجتماعياً.. لأنه خلاف الطبع السليم.

ومتى كان الإنسان معروفاً في انقياده للناس بحسن المعاملة.. ولطف الخطاب.. ولين العريكة.. وطلاقة الوجه.. وجميل اللفظ.. كان هو الأقرب لقلوب الآخرين، والألصق بهم عاطفة واستجابة واحتراماً.. ومتى كان منقبض النفس.. عابس الوجه.. خشن التعامل سيء الخلق، ابتعد عن الناس.. وانسلخ من لحمة التعاشر.

وكان الوعي المعرفي يستقبل الفريق الأول من ذوي الخلق الرفيع بالإكبار والإعجاب.. ويتلقاه بالترحاب والاعتزاز لمؤثرات الإقبال النفسي نحو الأكمل من الشمائل.. فيكون الحب والاعتداد مشتركاً بينهما.

أما الشدة في المصانعة.. والشراسة في الخلق.. والجفاء في الأداء.. فهو مما ينافي الذائقة الفطرية.. ويجانب الطبيعة المترسلة.. فيكثر حول أصحابها النقد والتجريح وسوء القالة.

والمجتمع العربي كغيره من المجتمعات البدائية غير المتحضرة في جاهليتها الأولى.. قد تتوافر فيه مكونات الطبقة الشاذة من الناس.. وقد تتلاشى – إلا قليلاً – النماذج المختارة فيه من أصحاب الذوق والعرف الحضاري.

إلا أن جيلاً من صفوة الناس.. ورعيلاً من أشراف الأمة.. ممن صبر على مكاره الدهر.. وجرى مع الأحداث الحزينة بثغر باسم، وطلعة ضاحكة.. وسلوك مستنير.. أولئك هم الذين أضاءوا ظلمات هذا الأفق الحالك بالوجه الطلق والمحيا الرهيف.. فكانوا النموذج الأرقى لما ينبغي أن يتحلى به الإنسان.. وكانوا القدوة التي بها يقتدى في السلوك الهاديء والاطمئنان المطلق.

وكان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو المفجر لهذه الثورة في الخلق الرضي المرضي، وهو الصورة المشرقة لهذا الفجر الجديد في حياة العرب والمسلمين.. وقد ضمّت صحائف الآثار وشواهد الأعمال امتيازاته في هذا المعلم المضيء بسماحة الأخلاق، ورجاحة الحلم، ومظاهر المروءة الفذة.. وكانت الطريق معبدة لصقل التجربة الأخلاقية بالمستوى الرفيع.

وإنك لتقف مغتبط النفس ممتلأ الوفاض بما تبعثه في ذاكرتك التاريخية تلك المؤهلات الذاتية التي غزت ذلك المجتمع الحائر بين الصخب والاضطراب – المتقلب بين عواصف التقاليد وأمواج المتناقضات!!، وكيف استطاع هذا الرجل – بتسديد من الله تعالى، وبإعزاز من القرآن العظيم – أن يهدىء من غلواء تلك الرياح العاتية.. ويخفف من هياج ذلك الموج الطاغي بشتى المفارقات، وضجيج الأعراف العنيفة.. وهي تعصف بكيان الأمة العربية في أثباج متراكبة من الأخطاء والأخطار..

وإذا مضيت في التفكير شوطاً بعيداً فإنه سيعيدك إلى ماطبع عليه هذا الرجل العظيم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم من الدعة الرافضة لذلك العرف السائد آنذاك.. وما اشتملت عليه ذاته القدسية من الثورة العارمة باتجاه التغيير الشامل..  لعرفت جيدا أنه فتح باباً جديداً تستطيع من خلاله دراسة ذلك المجتمع في فجواته السحيقة التي زلزلت كيانه، وقوّضت أركانه..

فأعاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم البناء لبنة لبنة.. وشيّد الصرح الجديد طبقة طبقة.. والتنقل به من مناخ إلى مناخ.. ومن عبء إلى عبء.. ومن شدة إلى شدة في سلسلة من التدرج من السهل إلى الصعب.. ومن الصعب إلى الأصعب.. ومن الأمر بالمعروف تارة.. والنهي عن المنكر تارة.. إلى اللجوء للقوة دفاعاً عن المبادىء.. وحفظاً لمسيرة هذا الخط من الضياع.. وكان ذلك بالنسبة له يمثل روعة الانتصار، وراحة الضمير بعد استغراق ذلك وقتاً ثميناً أشغل لياليه وأيامه طيلة ثلاثة وعشرين عاماً هي مدة تبليغه الرسالة. وما فتيء في هذه الحقبة من الزمان يضع يده على الداء ويشخص له الدواء..

وكان خلقه الرصين عملياً هو الذي أنقذ هذه الأمة من براثن الجهل والدمار والبوار إلى حيث الرفعة والسمو والاطمئنان.

(من كتاب النبي محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – وحي السماء ورسالة الإسلام، للدكتور محمد حسين علي الصغير)
للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز