أيها الموجود.. كُن صبغة الله في لوحة الوجود

لمَ لا نَكن "صبغة الله" التي أرادنا تعالى أن نصطبغ بها، كما قال في محكم كتابه: {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ} (البقرة: 138)؟.

لمَ أصبحنا نلون أنفسنا بألوان هي ليست لنا، بل ولكثرة الأصباغ التي تُغلف لوننا الأصيل الذي ميزنا به تعالى في لوحة الوجود بهذه الحياة الدنيا أصبح من الصعب علينا تميزه ورؤيته؟!

لمَ نكسل عندما يصل الأمر لنكتشف ذواتنا لنكن كما أرادنا الله تعالى؟

لمَ لا نفتخر بما نملكه ونرى أنه لا يستحق الذكر، وأنه لا شيء؟

لمَ كل هذا التحجيم لذواتنا التي كرمها وعزها تعالى بالأيمان؟!

لمَ لا نكون كما قال أحد الفضلاء: " لا تَكُن [حائط] فيَرسُمُ عَليكَ من يَشاء، بل كُن [لوناً] تَرسم به ما تشاء" (١).

بلى!

كل ذلك لأن مشكلة الانسان تكمن في إنه ينظر لما عند غيره، ويفتش على ما يتميز به غيره ليبدأ بتقليده، بل ويجهد نفسه مفتخراً بقول" أُريد أن أصبح مثل هذا أو ذاك".

فالمشكلة ليست في أن تقتفي آثار الناجحين، بل هذا أمر جيد ومطلوب، ولكن المشكلة أن تكون مقلداً فقط، لا أنت نفسك.

فلكي تحقق نجاحاً سليماً يُمثلكَ، ويُكسبك السعادة من الداخل عليك أولاً أن يكون لك هدف، أن تكون ممن عرف ماذا يُريد؟ وما هي مميزاته وإمكانياته؟ ثم بعدها إبحث عمن يشاطرك بهذه الأهداف، وممن سبقك فبَرَع ونَجح، نعم هكذا تكون أنت لا نسخة ثانية عن غيرك.

كثيراً ما نرى أُناس وصلوا لأعلى سلم درجات النجاح، وبلغوا النجاح تلو النجاح، لكنهم لا يشعرون بالسعادة، ولا يتذوقون لذة كل مرحلة وخطوة كانوا قد مروا بها، واقعهم الشكاية والشعور بالنقص، لماذا؟.

لأنها نجاحات لم تكن أهدافهم بالأصل، لا يشعرون بأنها تمثلهم، أرادوا بها ألا يكون أقل من غيرهم ممن هم في بيئته، أو طلباً للأُمور المادية والوجاهة الاجتماعية لا غير!! هو لم يسعَ ويبلغ النجاح لنفسه، وليسخر قدراته وامكانياته فيما يريد، ويُرى أنه قادر على أن يكون نافعا ومُجِيدا ومبدعاً فيه.

فمن جماليات اسم الله تعالى "الوهاب" إن هذا الاسم لما نحاول التأمل فيه نجد إن من أفعال الله سبحانه تعالى مع كل انسان إنه يُعطيه شيء فريد ومميز، شيء له وحده، دون طلب أو سعي، ولو اجتهد العالمين على أن يحصلوا عليه لما حَصلوه، وهذا من معاني الهبة الالهية.

فحري بك" يا صبغة الله" أن تعتز بنفسك، وتشعر بقيمتك في هذا الوجود، وتيقن إنك موجود فريد وخاص ومهم عند ربه، فلا تنتقص من وجودك مهما كان ظاهرك بسيطا، وإمكانياتك قليلة، ثق بالوهاب وتعلم واسعَ وطوّر ما تتمكن عليه وتملكه بالمساحة المتاحة لك، حتماً ستكون لك بصمتك وأثرك بما تتقنه وتتعلمه، وستظهر لك هبات ربك الذي قال في محكم كتابه: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُم...}(التوبة: 105)، فقط عليك أن تفتش وتنظر لنفسك، لا لغيرك.

--------
(1)      مقتبس من جلسة بعنوان "متى نقتنع بأنفسنا" لسيد بهاء الموسوي.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز