صادق العترة.. بين المجالس العلمية والمناظرات الدينية

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إذا ولد إبني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة إجتراء على الله وكذبا عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري.

هو الإمام السادس لدى الشيعة الإثنا عشرية، لقب بالصادق لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقبه به، ولأنه لم يعرف عنه الكذب، وسمي الشيعة الإمامية بالجعفرية نسبةً إليه.

فإن علم الإمام جعفر الصادق عليه السلام ومدرسته أساس لكل طوائف المسلمين دون القول بإمامته، وروى عنه الكثير من كتاب الحديث السنة والشيعة على حد سواء.

إستطاع أن يؤسس في عصره مدرسة فقهية، فتتلمذ على يده العديد من العلماء، فيقال إنه من أوائل الرواد في علم الكيمياء، حيث تتلمذ على يديه أبو الكيمياء جابر بن حيان.

فقد إستغل الإمام الصادق عليه السلام الظروف السياسية من تلفظ الحكومة الأموية أنفاسها الأخيرة، والثورة العباسية، في تفرغه لعمله الأهم الذي يعتمد عليه قيام الدين الإسلامي في مواجهة الأفكار الدخيلة، والمذاهب الفكرية المنحرفة عن الطريق الذي يدعو إليه الإسلام.

فعمل على نشر العلم والدين والمعرفة، وحضر مجالسه علماء كبار وتناقشوا في أمور الدين والدنيا، ومنهم الإمامين أبو حنيفة النعمان ومالك بن أنس، وقد أدت هكذا مناظرات إلى تشكيل المذاهب الإسلامية الكبرى الباقية حتى العصر الحالي.

وعلى الرغم من إنصراف الإمام إلى شئون العلم الديني والدنيوي وإبتعاده عن السياسة إلا إنه بقي محط أنظار الخليفة العباسي، لاسيما أن عددا من أتباع زيد بن علي إنظموا إلى مجالسه وإستمعوا لكلامه ومواعظه وإرشاداته بعد أن لاحقهم العباسيون بلا هوادة.

وأقدم العباسيون على إعتقال الإمام عليه السلام أكثر من مرة، وزج بالسجن لفترة من الزمن على أمل أن تنقطع الصلة بينه وبين تلاميذه الذي يحتمل أن يهددوا إستقرار الدولة وينفذوا إنقلابا على الخلافة.

وقد تحمل الإمام عليه السلام ما تعرض له من مضايقات من قبل الحكومة العباسية، وصبر على الألم والإضطهاد، وإستمر يقيم مجالسه العلمية ومناظراته الدينية مع كبار علماء عصره من المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب والملاحدة.

فقد عرف عنه إطلاعه الواسع وعلمه الغزير، حيث شهد له بذلك الأكابر من العلماء منهم أبو حنيفة، حيث سئل من أفقه من رأيت؟ فأجاب قائلا: جعفر بن محمد.

وبما أن أبو جعفر المنصور كان يغتاظ من إقبال الناس على الإمام والإلتفاف حوله، قال فيه:

"هذا الشجن المعترض في خلوق الخلفاء الذي لا يجوز نفيه، ولا يحل قتله، ولولا ما تجمعني وإياه من شجرة طاب أصلها وبسق فرعها وعذب ثمرها، بوركت في الذرية، وقدست في الزبر، لكان مني ما لا يحمد في العواقب، لما بلغني من شدة عيبه لنا، وسوء القول فينا".

وإنه حاول قتله أكثر من مرة، ولكن كل من واجهه هابه وتراجع عن قتله.

فكتب له المنصور: لم لا تزورنا كما يزورنا الناس؟

فأجابه الإمام: ليس لنا في الدنيا ما نخاف عليه، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها، ولا في نقمة فنعزيك بها.

فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا.

فأجابه الإمام: من يطلب الدنيا لا ينصحك، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك.

وتفيد الكثير من المصادر بأن الإمام الصادق عليه السلام قضى نحبه مسموما على يد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور، ودفن في البقيع في المدينة المنورة إلى جانب والده وأجداده وباقي الصحابة.

وكان في عمر الرابعة والستين. وآخر رواية قالها فبل وفاته لكل من كان بينه وبينهم قرابة: "إن شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة".

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز