السَيدة زينب.. الكَسيرة الجابِرة

كنتُ أتساءل كثيراً عن معنى قول الله تعالى في إحدى الاحاديث القدسية الواردة: "انا عند المنكسرة قلوبهم" بدأً كان المعنى الظاهر- كما يبدوا- أن الذي يُكسر من الخلق يَجبره الخالق، ولكن لفظة "عند" تثير في الذهن تساؤلاً: تُرى وماذا بعد الجبر هل تنتفي العندية؟! أي كيف لنا هنا أن نجمع بين حلاوة أن يجبر الله تعالى عبده المنكسر؟ وبين أن يبقى بمعيته وعند ذلك المنكسر بعد الجبر؟

إذ لفتت إنتباهي عبارة لأحد الأفاضل أوصلتني إلى معنى أدق وأعمق بكثير وفيه جواب، ومعنى الجمع أيضا، ودرس تربوي وذلك من خلال أن الكسر المقصود ليس أي كسر بل الكسر الذي لا يُجبر؛ ومعنى الجبر ليس بالمعنى الذي نتصوره نحن وإنما ما يجعل هذا الكسر ملتئم ومجبور بل وجابر، فصاحبه يبقى كسير ولكن يحقق الإنجبار بإستشعار حضور الخالق المتعال، فتتعالى نفسه عن هذا الكسر إلى الجبار فتعبره، ولا تتوقف عنده.

وهذا ما يُمكن أن نصل إليه من مشاهد من سيرة السيدة زينب (عليها السلام) في مسيرتها الكربلائية فمن يختلف في أن فقدها لإمامها وأخيها سيد الشهداء، أولادها واخوتها، بإنه كان كسراً عظيماً، وعظيم جداً لعظم المفقود بل وكل ما جرى عليها فبعد أن كانت مخدرة في بيتها أصبحت إمرأة يطلقون عليها كلمة "مسبية" و"أسيرة" تُنقل من بلد إلى اخر، يُدخلونها إلى مجالس الظلمة والسلاطين، فهذا كسر كبير بقلب سيدة جليلة وعظيمة القدر والمنزلة في مجتمع علم من هي؟ ومن اي بيت شريف هي كانت منحدرة؟! نعم كانت ثكلى مكسورة، ولكن لم يُرى منها إلا علائم الإنجبار والإطمئنان والرضا، كان قلبها يلهج بذكر الله وحمده والثناء عليه وهذا هو عينه معنى تجلي الانجبار وتحقق وعد الله تعالى بأنه عند المنكسرة قلوبهم.

كانت السيدة (عليها السلام) تقضى ليلها بالعبادة مع الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه ليلة العاشر من المحرم كما تنقل كتب التاريخ ((بالصلاة والدعاء وقراءة القرآن، وكان لهم دويّ كدوي النحل،...)) فكان النور ينبعث من الخيام الى السماء، أما ليلة الحادي عشر فكان النور ينبعث من موضع جلوس السيدة زينب(عليها السلام) فقط حيث لم يبقى من الخيام إلا الرماد، ومن الحسين(عليه السلام) وصحبه الى الاجساد المقطعة المرملة على ارض كربلاء، فإنكسار مولاتي زينب(عليها السلام) كان يُرينا الإنجبار لا غير وكأن لسان حالها يقول لنا: "وإن فقدت أخوتي وأنصاره وولدي، إلا أنني لا أترك مناجاتي وصلاتي، لأنني لم أفقد ربي".

 كانت (سلام الله عليها) مكسورة بكسر لا يُجبر! فلا إمامها الحسين (عليه السلام) عاد موجود، لكن إرتباطها الحقيقي بالجبار جعله كسر مجبور، فأكملت مسيرتها ودورها بإتمام نهضته سلام الله عليه، هذا من جهة؛ ومن جهة أخرى موقف السيدة وتعاملها مع فقد وغياب شخص الامام الحسين (عليه السلام) كاشف عن عمق إرتباطها به وحقيقة معرفتها بأن امام زمانها نور في القلوب لا يغيب، وروح لا تموت بل تبث لكل من ارتبط بها على الدوام حياة.

وهذا درس عظيم علينا ان نستلهمه منها سلام الله عليها ونحن نعيش غيبة إمام زماننا عن أعيننا، من خلال تعاملنا مع حقيقة وجوده. نعم نحن نعيش إنكسار لعدم ظهوره وإقامة دولته فينا؛ ولكن إستشعارنا بإنه حاظر وإن لم يكن ظاهر يجعلنا نعيش حالة الإنجبار فنسعى لنعد أنفسنا ونسير بسيرته ونمهد لدولته ولنشر رسالته كما فعلت السيدة. 

كما إن السيدة زينب(عليها السلام)عاشت إنكسار اخر في مسيرتها الكربلاىية وهي  فقدها للكفيل ولكن لِتَحقق "أنا عند المنكسرة قلوبهم" في وجودها جعلها تصبح كفيلة لإمامها زين العابدين(عليهما السلام) فحفظة سلالة الامامة، وتكفلت عيال السبط الشهيد وعيال كل الركب.

بلى! وكانت(عليها السلام) منكسرة لفقدها لحاميها لكنها كانت مستحضرة لحماية ربها لها فكان قلبها منجبر فأصبحت محل إطمئنان وامان وحماية يلوذ بعباءتها السماوية الصغار والكبار، والى الآن كلنا نلوذ بها.

كانت(عليها السلام) منكسرة وفاقدة  لفلذات كبدها من أبناءها الشهداء لكنها كانت أُماً حانية على عيال كل الشهداء.

فهذا درس تربينا عليه مولاتنا أن أي انكسار يصيبنا على أثر إختبارات هذه الحياة الدنيا علينا أن لا نجعله يكسر مرآة قلوبنا طالما فيها نور مَن هو عند القلوب المنكسرة، لكي لا نعيش ظلمتين: ظلمة الداخل وظلمة الخارج.

 فإن كان جرحنا وكسرنا ظاهراً امام الناس، فلنعلم إننا لم ننتفع من تلك العندية التي وعد بتحققها المتعال، ولم يتجلى فينا وفي حياتنا حقيقة اسمه الجبار، أما إذا كان هذا المعنى متحقق فينا هنا علينا ألا نكتفي بذلك فلنترقى ولنسير بسيرة مولاتنا العقيلة منجبرين وجابرين للغير، فالقلوب التي فيها حب الله تعالى الجبار وحب إمام الزمان هي لا تعرف كسر قلوب غيرها وإنما من شأنها تجبير القلوب على الدوام.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز