أقلام التسقيط ونور أبي طالب

فحفلت مجاميعهم الحديثية والتاريخية بألوان من الدجل والتزوير، وأفانين من الكذب والبهتان

الكره آفة خطيرة تعمي بصيرة الإنسان قبل بصره وتملئ قلبه غيظا فيحيطه السواد من كلِّ صوب وجانب فيبدأ برمي من يكرره بأبشع الصفات لكي يرضي غريزة الحقد لديه ظانا بأنه سيسقطه من أعين الناس حتى يتربع هو في مكانه، والكره له عدة أسباب أوجز منها: أفضلية المقابل، أو هزمه للكاره في موقف معين.

أبو طالب عم الرسول محمد صلى الله عليه وآله وكافله في صغره، ومن منا لا يذكر أنشودة الصغر التي تحمل اعلان بطيبته وإيمانه (أبو طالب عمه كان يخفف عنه)، هذه الكلمات تدل على القرب المادي والمعنوي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فمن يخفف عن الانسان غير القريب منه!.

مَن يحرك محرك البحث عن أبي طالب يجد تناقضات فيما كُتِبَ عنه فيرى الأخبار تتناقل حول موته كافرا ونفس تلك الأخبار تنقل مكانته وقربه من الرسول الأكرم، وهنا يتسائل العقل المنطقي مادام الله يعلم بأنَّ أبا طالب سيموت كافرا لماذا جعل له الكفالة أليس من الأولى تسليمها لمن يُنسب لهم الإسلام عنوة؟

لنترك قليلا هذا السؤال البريء ونلاحظ الرواية التي تناقلت في كتب العامة حيث روي عن البخاري بإسناده عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه «أن أبا طالب لما حضرته الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل فقال: أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاجُّ لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أُنْهَ عنه.

قال على ملة عبد المطلب وقول النبي محمد "من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات" يعني أن آبائه وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر، لأن الكافر لا يوصف بأنه طاهر، وإن أبا طالب قال وهو يحتضر: هو على ملة عبد المطلب، لأن النبي محمد وآبائه كلهم كانوا على الحنيفية ملة إبراهيم، فهذا دليل على عدم كفره بلسان الرسول نفسه الذي لما مات أبو طالب «عليه السلام» تبع رسول الله «صلى الله عليه وآله» جنازته، مع أنهم يروون أن ثمة نهياً عن المشي في جنازة المشرك!.

(يرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(التوبة 35) وهذه الآية كفيلة للأجابة الصريحة عما ذكره أولئك فقد ورد عن أبي بصير ليث المرادي قال: قلت لأبي جعفر (ع):‏ سيدي إن الناس يقولون إن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه, فقال (ع): كذبوا والله, إن إيمان أبي طالب (ع) لو وضع في كفة ميزان, وإيمان هذا الخلق في كفة ميزان, لرجح إيمان أبي طالب (ع) على إيمانهم, ثم قال: كان والله أمير المؤمنين (ع) يأمر أن يحج عن أب النبي وأمه, وعن أبي طالب في حياته, ولقد أوصى في وصيته بالحج عنهم بعد مماته.

وعن محمد بن علي بن بابويه بإسناد له: أن عبد العظيم بن عبد الله العلوي – المعروف بشاه عبد العظيم - كان مريضا, فكتب إلى أبي الحسن الرضا (ع): عرفني يا ابن رسول الله عن الخبر المروي أن أبا طالب في ضحضاح من نار يغلي منه دماغه.

 فكتب إليه الرضا (ع): بسم الله الرحمن الرحيم, أما بعد فإنك إن شككت في إيمان أبي طالب (ع) كان مصيرك إلى النار.

سبب نعته بالكفر

أما سبب نعته بالكفر فقد صرحت به عبارة قيلت في الطف عندما قال للقوم يا ويلكم! علامَ تقاتلوني، على حق تركته، أم على سنة غيرتها، أم على شريعة بدلتها؟!

فقالوا: بل نقاتلك بغضا منا لأبيك! وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين!.

وأظنه أصدق جواب يمكن الأخذ به فكيف وهو الأب لذلك الرجل الذي تكرهه قريش، ويبغضه الحكام، ويشنؤه أهل الباطل وكانوا وما زالوا يتمنون له كل سوء، وكل ما يسوء، وقد قطعوا رحمه، وجهدوا للحط من شأنه، وصغَّروا عظيم منزلته، لا لشيء سوى أنه كان قد قتل آباءهم وإخوانهم على الشرك والكفر، وهو يدافع عن دين الله سبحانه، ويجاهد في سبيل الله، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله، وزوج ابنته، وأبو سبطيه، أمير البررة، وقاتل الكفرة الفجرة، الذي كان مدينة علم النبي صلى الله عليه وآله، وكان الولي والوصي صلوات الله وسلامه عليه وعلى أبيه، وعلى الأئمة الأطهار من بنيه.

فكان لابد – بنظرهم – من نسبة كل عظيمة إليه، وإلى أبيه أبي طالب عليه السلام، ووضع الأحاديث المكذوبة في حقهما، وتزوير تاريخهما، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

فحفلت مجاميعهم الحديثية والتاريخية بألوان من الدجل والتزوير، وأفانين من الكذب والبهتان، حتى لقد نسبوا إلى أبي طالب عليه السلام الكفر – والعياذ بالله – ولو كان ثمة شيء أعظم من الكفر لنسبوه إليه، ووصموه به، كيداً منهم لعلي، وسعياً منهم للنيل من مقامه، وهو الذي كان ولا يزال الشوكة الجارحة في أعين الأُمويين، والزبيريين، وجميع الحاقدين على الحق وأهله.

وحين بدا لهم أن ذلك لا يشفي صدورهم شفعوه بنوع آخر من الكيد والتجني، حين سعوا إلى إطراء أعدائه، أعداء الله ورسوله، وأعداء الحق، فنسبوا فضائل أولياء الله إلى أعداء الله، حتى إنك لا تكاد تجد فضيلة ثبتت لعلي عليه السلام بسند صحيح عند مختلف الفرق الإسلامية، إلا ولها نظير في مخالفيه، وهذا ما يفعله الكره المخبوء في صدورهم عليه ولكن يأبى الله إلا أن يتم نور.

فتح الباري 245 :7
القول الصائب في اسلام أبي طالب 27 وما بعدها
إيمان أبي طالب (الحجة على الذاهب إلى كفر أبي طالب) ص 56
تذكرة الخواص ص8
بحار الأنوار ج 35 ص 11
الحجة على الذاهب ص 84
شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق