مَنْ قَصَدَنا.. قَصدناه

شارك الموضوع:

فقد كان في ذلك المكتوب رسائل دافئة من قلبِ إمام حانِ، مشفق على رعيته، فهو الأشد شوقًا، وخيفةً

بلى! عند التناهي يكون الفرج، إذ كلما مَر الزمان ومضى إمامٌ بعد إمام من أئمة أهل البيت زاد البلاء واشتدت المحن، ليس على شيعتهم فقط إنما عليهم أيضًا، وها قد أتى زمن قَرُبَ فيه الفرج، ولكن بوجه آخر، ويحتاج إلى صبر من نوع آخر، زمن سيأتي بَعده المُخلِص لهذا العالم، والانفراج الأعظم.

إنه زمن إمام لم يُقصَ عن ممارسة دوره الإلهي فقط بل أُسكِن في محلة تدعى عسكر، هي كانت اسمٌ على مسمى، فقد كانت العساكر تحيط به من كل حدب وصوب، وعيون الجواسيس تراقبه من كل جانب؛ ولكن تبقى قلوب شيعته الخافية لهويتها، المترقبة لرؤيته، تتقنص الفرص للقائه ولو من بعيد.

وهكذا كان حال علي بن جعفر والحلبي؛ فقد اجتمعا يومًا هناك، وهما يترصدان ليريا إمامهما العسكري بشوق كبير، وحسرة في القلب أكبر في يوم ركوبه، وإذ في تلك الأثناء يخرج إليهما منه توقيع كَتبَ لهما فيه: "ألا يُسلمن عليَّ أحد، ولا يُشير إليّ بيده ولا يومئ؛ فإنكم لا تؤمنون على أنفسكم"(١).

(آه. آه. فقد كان في ذلك المكتوب رسائل دافئة من قلبِ إمام حانِ، مشفق على رعيته، فهو الأشد شوقًا، وخيفةً، وتلطفًا بأتباعه ومحبيه، بل كم هو جميل أن يُنبأ الإمام أتباعه بأنه يَعلم أنهم قد قصدوه كي تكحل أعينهم برؤية طلته، وهيبته، فيقصدهم ولو بمكتوب).

وبينما كانا يطالعان كلمات الإمام، التفت أحدهما فإذا بشاب واقف إلى جانبهما- يبدو أن له حكاية ترقب أخرى للإمام - فقال له: من أين أنتَ؟

قال: من المدينة.

ثم سأله -فهو أدرى بخطورة هذه المكان وقساوة أهله-: ما تصنع ههنا؟

قال: "اختلفوا عندنا في أبي محمد عليه السلام فجئت لأراه وأسمع منه، أو أرى منه دلالة ليَسكن قلبي، وإني لولد أبي ذر الغفاري".

فبينما هم يتحادثون؛ خرج الامام مع خادم له فلما قرب منهم، ألقى بنظره الشريف إلى ذلك الشاب، فقال: أغفاري أنت؟

قال: نعم.

قال: ما فعلت أمك حمدوية؟

فقال: صالحة، ومَر دون أن يَشعر أحد العسكر والعيون بمغزى أسئلة الإمام ومقاصدها.

فقال أحد هذان الشخصان للشاب: أكنتَ رأيته قط وعرفته بوجهه قبل اليوم؟

قال: لا.

فقال له: فينفعك هذا؟

قال: ودون هذا -وكأنه يقول في نفسه- وهل بعد رؤية الإمام حاجة وسؤال؟! إذ شقت رؤيته للإمام حجاب حيرته، وجذبه لنور إمامه النقي ما يَحمله في روحه من نقاء؛ تلك الروح التي سَعت إلى إمامها بخطوات الأقدام سيرًا، وبلهفة القلب شوقًا؛ فبلغت من المعرفة ما بلغت، "فالأرواح جنود مجندة" فكيف لا تنجذب هكذا روح لإمام الحق! وهكذا عاد هذا الشاب الغفاري إلى وطنه بعد أن وطن قلبه على التصديق بإمامة إمام زمانه، وحلَ ربيع الاطمئنان في صحراء روحه المجدبة، وأزهرت بنور اليقين الذي لن يذبل أبداً.

_______

(١) بحار الأنوار : ٥۰ / ۲٦۹.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق