موكب الخنوع!


بعيون غائرة وأجفان ذابلة وبشعر أشعث وملابس رثة رأيتها تسير مكسورة وتجوب الشوارع بحيرة وكأنها أضاعت الدليل، كان كل من يسير بقربها يعطيها إنطباعا يختلف عن الآخر، فواحد مشمئز وآخر مستغرب وثالث متعاطف لكن مركزه الإجتماعي وعاداته تمنعه من الوقوف والسؤال عن تلك العجوز وماذا حل بها!.

فبين كل هؤلاء وكل من يراها تجد ان افكارهم قد اخبرتهم بشيء دون أن يسألوها، فالبنهاية هذا المنظر ليس غريبا وهو موجود في كل المدن والنواحي. فواحد يقول في  نفسه: يا إلهي ما هذا القرف بهذا الكون وكأنها قد هجرت الماء منذ امد بعيد، وولى متذمرا لا يسمع منه احد شيئا سوى تمتمة غير مفهومة.

أما الآخر فنظر اليها ونظرته تفسر حيرته فهو يريد ان يعرف من الذي أودى بتلك المرأة لهذه الحالة إلا انه اقتنع انه اخر الزمان وفتنه، الله يجيرنا من هذه الفتن، الله الأعلم بحالها ولا يسمع منه احد شيئا سواه منشغلا بضجيج افكاره.

والثالث كانت نظراته ملؤها العطف والحزن، فيا ترى ماذا حل بتلك المرأة حتى وصلت لهذه الحالة، أعطت أبناءها شهداء من اجل هذا الوطن الذي ادمن دماء شبابه لتسقيه كرامة؟،  فأختارها الجنون ليحنو عليها من غل الزمان وقصاصه عليها فلم تعد تعلم شيئا بعد علم، لم تعد تعلم ماهي ولماذا هي موجودة ضمن دائرة هذا الكون الواسع، أم انها كانت دائمة العطاء لمن حولها وعندما استولى عليها الكبر والضعف تخلى عنها كل شيء، فنظر الى يديها ووجهها وقد تفشت فيهما التجاعيد بشكل رهيب وكأنها اتخذتها موطنا أبديا.

تلك العجوز تتوق لشباب مأسور بالحزن حتى باتت ابتسامتها حبيسة بين أركان هذا العالم وتضمحل اكثر عند كل مرة يموت فيها طفل. وبقيت تلك المرأة اعواما تجوب الشوارع وليس لها سبيل. فكانت إن وجدت طعاما متسخا بتخمة الأثرياء تشاركه مع الطيور والحيوانات التي تصادفها وكان هذا لها أنسا عظيما، وهكذا كانت تقضي ايامها غير مكترثة لشتاء قاس او ربيع حنون بنسماته او حتى خريف كئيب، فثوبها الرث عليه ان يقابل كل فصول السنة بصدر رحب.

وهكذا تمضي معها الأيام برتابة دون أن ينتبه اليها أحد بجدية تفيق من حولها بأهميتها. وذات يوم كان هناك شاب جاء مهرولا وكأنه يهرب من شيء ما فجلس بجانبها ومد يده اليها، ياللعجب! احدهم يمد يده اليها بعد كل سنوات التشرد هذه، فأرخت يديها المرتعشتين بتردد وسلمت عليه وتفرست فيه غير متفاجئة بحاله قائلة له: هل انت مجنون حقا أم انه كان لابد من التخلص منك بهذا اللقب، فرد ضاحكا وكيف عرفتِ يا سيدتي ان اللقب أُهدي الي، فأجابته فأنا مثلك يا ولدي  كنت عزيزة في قومي فأذلوني، كنت عنوان الشعوب واحلام الفقراء، كنت الأمل، كنت الكرامة، كنت الأباء، كنت كل شيء قبل ان يمر موكب الخنوع متنكرا بأزرى الاقنعة فإتبعه الناس وتركوني مشردة مهددة..

فأنا (الحرية) أعرفك بنفسي، ففي كل يوم اجول هنا وهناك أحاول ان اريهم أن لدموع اليتامى والأرامل شأن كبير، أحاول أن اجعلهم يسمعون نداء الفقراء وآهات الثكلى لكن بلا جدوى، فهز رأسه مبتسما بألم وقال: انا يا سيدتي سرقوا ردائي وألبسوه للباطل فبات يهتف فيهم بإسمي ويحقق مايريد بإسم الحق، فتركوني مثلك تماما وانساقوا له مسيرين غير مخيرين. فكيف يا سيدتي يعرفوننا بعد ان  تشابهت الأزياء والألوان والكلمات، وكيف لنا نظهر امام هذا الكون الواسع  والكل يدعي انه الحرية والحق.

فالحرية والحق حلم بعيد ككنز بعيد على البشر عليهم أن يشقوا كثيرا من أجل الحصول عليهما.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز