الحرمان النفسي وسيكولوجية العقوق.. ارتباطية طردية ونتائج مدمرة

208 2019-01-24

ما إن دخل ربيعه الرابع عشر، إذ كنت أنتظر أن تينع ثماره وأجني حلاله، حتى حل الخريف فجأة، فخطف أزهاري قبل أن اقطفها، تساقطت آمالي وريقات مصفرة، بعثرتها رياح الخيبة، بعد طول أمل سقياه من حر الجوى.

كلمات لربما لن تصف حجم الألم ولن تعبر عن حرقة الفؤاد، معاناة لم تنتهي أسبابها بين الوراثية والاجتماعية والتربوية، أم محمد مع آلاف الأمهات يتشاركن القصة نفسها "بعد ستة عشرة عاما من الزواج خلصنا إلى الانفصال، وكانت المصيبة أن هناك ثمار لتلك الأسرة الفاشلة، كرّست بقية عمري لتربيتهما، بيْد أني لاحظت أن ابني الكبير الذي بلغ عامه الرابع عشر يشبه والده كثيراً في أخلاقه، فهو كان يرى والده دائماً وهو ينهرني ويضربني".

الحرمان النفسي

خلص علماء النفس والاجتماع إلى أن التصرفات العدوانية من الأولاد تجاه الآباء بأنها نتيجة لأسباب عدة قد تأتي مجتمعة أو متفرقة، واحد من أخطر الأسباب الحرمان النفسي للأولاد، وإن العلاقة طردية بينه وبين ممارسات الأبناء لسلوك عقوق الوالدين.

دراسة أجرتها جمعية المودة والازدهار مع مجموعة من الباحثين في الشأن الأسري، على عينة من المراهقين بلغ عددهم  67 صبي تراوحت أعمارهم ما بين 13و17عاماً، 43 منهم من المتسربين دراسياً، و24 من المنتظمين بالمدارس الحكومية بالمرحلة الثانوية، وتبين من خلالها وجود علاقة ارتباط وثيقة بين الحرمان النفسي الوالدي وممارسات عقوق الوالدين، وكشفت عن وجود تباين في النتائج الإحصائية بين المنتظمين دراسيا والمتسربين.

إن إعداد جيل قادر على تحمل المسؤولية وتفهم متطلبات المستقبل وما يتطلبه من جهد وفكر في سبيل رفاهية المجتمع لن يأتي إلا من خلال إنسان سليم بدنياً ونفسياً واجتماعياً، بينت ذلك المرشدة الاجتماعية ايمان التميمي وأضافت "من هنا يتأكد أن التعرض للحرمان من الوالدين يفقد كل المميزات التي يكتسبها الطفل الذي ينشأ في جو أسري طبيعي، إذ يجد الأول نفسه وحيداً في مواجهة صعوبات الحياة، فينتج عن ذلك العديد من المشكلات السلوكية، خاصةً عندما يتحول الطفل إلى مراهق، وما يعتري تلك المرحلة من انفعالات قد لا يمكن التحكم فيها".

الضروريات الخمس

تحدثنا للقضاء عما إذا كانت هناك قرارات قضائية من شأنها الحفاظ على حقوق الأبوين في ظل العنف الموجه لهم من الأولاد، أكد المختصون فيه أنه في حال المساس المباشر بإحدى الضروريات الخمس: (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال)، تعد من الجرائم الكبيرة الموجبة للتوقيف"، وأوضحوا أن "طبيعتها هي التعدي على حقوق  المواطنين، وهي متجددة بتجدد العصر وتقنياته، وتطور فنون الإجرام".

ومما لاشك فيه أن القيم الانسانية هي التي تسير الانسان وتصلح من تصرفاته، فإن العقوق هو عاهة نفسية ذات عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع، وإذا ما أصبح الفعل ظاهرة يجب تدخل القانون في ردعه خدمة للصالح العام، إلى ذلك لفت أصحاب الاختصاص القانوني بالقول: "إن الاعتداء على الأبوين ينذر بأن المعتدي عليهما لن يقيم حقاً لسواهما، فإذا كانت علاقة البنوة ووشيجة المحبة لم تمنع الولد من الاعتداء على والده، فإن هذا مؤشر قوي لا يمكن تجاهله على تأصل مادة الشر في نفسه، واستعداده لأن يعتدي على الناس، ويخرب الممتلكات ويهتك الأعراض ويهدد الآمنين".

سايكولوجيا العقوق

تكمل أم محمد قصتها قائلة: "كان والده يوغر في نفسه الصفات السيئة، من خلال أسلوبه معي، إلا انني لم أكن أعلم بالأمر حينها، إلى أن جاء الوقت الذي بدأت أسمع من ابني نفس العبارات التي كان يشتمني بها والده، وأصبح يقول لي عندما أُحدّثه في أي موضوع "يا ابنة الخبيثة ويا أم الدواهي"، ويرفع صوته عليّ، وبِت لا أملك سوى البكاء والتحسر... فلذة كبدي الذي طالما خدمته عمري كله، يرفض مساعدتي وخدمتي في أي شيء".

وتتذكر الأم الثكلى بأخلاق ابنها حادثة يندى لها الجبين "في إحدى المرات قام بدفعي حتى سقطت على ظهري لمجرد أن سألته عن سبب عودته في وقت متأخر من الليل، وبسبب تلك الضربة حدث لي انزلاق حاد ولزمت الفراش لثلاثة أشهر بعدها، بين أوجاع الجسد وألم القلب، وصل بي الحال ان أدعو الله أن يأخذه أو يأخذني حتى أستريح من العذاب الذي يسببه لي يومياً".

الدكتورة نادية نصير اختصاص في علم الاجتماع بينت أن "سايكولوجية العقوق لدى الأولاد هي رد فعل للنقص الحاصل في الرغبات العاطفية والاهتمام في الصغر، إذ إن أساس الصحة النفسية قائم على ما تمنحه الأسرة من إشباع لحاجات الطفل والمراهق من حب وعاطفة وحماية، ولتحقيق النمو السليم للفرد ينبغي توافر مجموعة من المقومات النفسية والاجتماعية والمعرفية، وبشكل خاص العلاقات الانسانية السليمة".

وأوضحت أن "تلك الأواصر تتكون بين الفرد ومحيطه، ولا سيما الأبوين، إذ إن النقص في هذا الجانب سيعوق نموه النفسي والجسمي والعقلي، كما أن النشأة في ظل أسرة غير مكتملة يجعله عرضةً للشعور بالقلق وعدم الاكتفاء والرغبة في إشباع هذه الحاجة تقوده إلى مراهقة عنيفة جدا على مستوى الأسرة والمدرسة والمجتمع.

كما أنه سيكون دائم الشعور بعدم الانتماء للوسط الذي يعيش فيه، إحساس بالاستحقار والنبذ، وهذه أحاسيس تبدأ بالتضخم والاستفحال، وتؤثر في سلوكه وتصرفاته ومواقفه تجاه نفسه وتجاه الاخرين وهنا تبدأ سلوكيات العقوق ونكران الجميل".

 اضطراب الاستيعاب

 د. حسام أحمد أبو سيف باحث في الشؤون الاجتماعية، عضو المجلس الأعلى للجامعات / مصر بين أن "العقوق يكون إما يكون ظاهرة اجرائية أي فعل يقع كالضرب والاهانة والتسبب في التشرد للأبوين، أو يكون وجدانيا أخلاقيا، في الوقت الذي تؤكد فيه نظرية التعلق أن الأسرة هي المصدر الرئيس لتنمية الحب والاستقرار والأمان للأبناء، كما قد تكون مصدرا ينمي لديهم الاضطرابات في المستقبل، ويؤدي سوء التنشئة إلى فقدان الانتماء للأب كمصدر للسلطة أو الأم كمصدر عن الإشباع العاطفي".

ويرى أن "أحد أسباب الاضطرابات التي تظهر في المراهقة والرشد، إذ يعاني الفرد من صعوبة في التفكير المجرد بسبب سيطرة الذات على الواقع، كما أن النمط الوالدي السلبي والبيئة السلبية لا يمنحان الحب، كما أن العلاقات العائلية المضطربة تؤدي إلى ظهور اضطرابات الشخصية،

وأوضح  ابو سيف أن "بعض المضطربين بالشخصية والديهم كانوا أكثر تحكماً وأقل اهتماماً مقارنةً بغير المضطربين، كما وصف القائمين على تربيتهم بالقسوة وفقدان العاطفة والمشاعر".

وأشار إلى "وجود علاقة دالة طردية بين الحرمان النفسي الوالدي وممارسات عقوق الوالدين إذ أن المراهقين فاقدي حنان وعطف الوالدين يصابون بما يسمى "اضطراب الاستيعاب"، يصل بهم إلى فعل أي شيء لتهدئة عواطفهم ومشاعرهم، والتحكم في سلوكياتهم، وهو اضطراب يشبه ما بعد الصدمة، ومن وجهة نظري أن الحرمان النفسي من صدمة وفجيعة لا يمكن تحملها خاصةً من المراهق".

نتائج مدمرة

ويؤكد ابو سيف "ولنعلم أنه كلما زاد مستوى الإيذاء والحرمان النفسي زاد مستوى الانحراف السلوكي للطفل في كبره (مراهقاً)، فيتجه نحو الإدمان والسرقة والشذوذ وغيرها، بالإضافة إلى اضطرابات أخرى يمكن أن تظهر، مثل القلق، والتوتر، والوسواس القهري، ربما تقود إلى كارثة إنسانية".

وهنا يرسل أبو سيف رسالةً مهمة للأهل مفادها "على الوالدين الرجوع إلى مجموعة من الأساليب التي توثق الألفة بينهم وبين أبنائهم، وتنشر المحبة في البيت، منها العدل بين الأبناء، تقبيل الأبناء (أطفالاً) وحضنهم والاقتراب الجسدي منهم، الاعتدال في العقوبة، الاعتدال في الإنفاق، الحنان الأسري والإشباع العاطفي، فتح باب الحوار وخاصةً مع المراهقين من أبنائنا، الإجابة عن استفساراتهم بكل تعقل وشمول، احترام مشاعرهم في كل مراحلهم العمرية، التقرب منهم والتودد إليهم وملاطفتهم واللعب معهم، احترام علاقاتهم وصداقاتهم وتوجيههم، الابتعاد عن الاستخفاف والاستهزاء بهم وتحقيرهم حتى نضمن الحصول على شباب متزن فكريا ونفسيا وجسديا، دون الوقوع في مأزق الصراع في التعامل مع المراهقين.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز