عظماء في السجون.. عندما تصبح الزنزانة حاضنة للعطاء

سلامٌ على مثقل بالحديد.. ويشمخ كالقائد الظافر.. كأن القيود على معصميه.. مفاتيح مستقبل زاهرٍ..

كيف يستطيع السجين أن يمارس نشاطاً إيجابياً، وكيف تغدو الزنزانة أو المنفى أو الاقامة الجبرية وقوداً للإبداع، وكيف للألم والمعاناة والاضطهاد أن تنجب أبطالاً خلّدهم التاريخ على مر العصور؟!

العظماء أصحاب الفكر والمبادئ لا تؤثر فيهم القيود ولا القضبان، بل يتخذونها وسيلة للوصول إلى أهدافهم، وبدافعية أكبر، فالمظلومية تزيد صاحب الرسالة قوةً وتأثيراً، فهؤلاء لا يحدّ طموحهم جدران ولا ظلمات، بل على العكس، سيكونون أكثر تحدياً لظروفهم التي فرضها عليهم الطغاة والظلمة والحاقدين؛ الخائفين على عروشهم ومصالحهم.

من أجل كل ذلك، كُثر هم الذي أودعوا في السجون من قبل جلاوزة عصرهم، تعددت الأسباب والمكان واحد، وتعددت الشخصيات والهدف واحد.

بسبب الاتهام ظلماً أو الوشاية أو خوف السلطان على كرسيه ومكانته بين الناس قُيّد الكثير رجال ونساء، أدباء وسياسيين ونشطاء ورجال دين، وسيقوا إلى غياهب السجون، ويبقى السؤال، هل تحقق هدف السجّان في إبعاد تلك الشخصيات وتقليل تأثيرهم وتحجيم نشاطهم بين أفراد المجتمع؟.

يقال: "نحن جميعا ندرس التاريخ.. ولكننا لا نتعلم منه"..

ليس فقط  ذلك، نحن لم نقرأ التاريخ فكيف بدراسته، وكيف نتعلم إن لم نقلّب صفحاته ونأخذ منها العِبر التي تنير ظلمات سجوننا ومنافينا وعزلتنا سواء كانت اختيارية أو لا!.

هناك الكثير من التجارب، سنورد بعضها علّنا نعرف أنّ القيود في أي زمان ومكان لن تكون حاجزاً ولا عائقاً لما نروم ونطمح.

أدب السجون

هو نوع أدبي يتناول ماكُتب في السجون أو في الاقامة الجبرية والمنفى، كثيرون هم الذين أنتجوا كتباً خلّدها الدهر، وقد خرجت من تلك الأماكن المظلمة لتبصر النور خارجها، نذكر منهم الفيلسوف والسياسي الروماني الذي اشتهر في العصور الوسطى "بوثيوس" ويقال أن كتابه "عزاء الفلسفة" أعظم أعماله وأشهرها، كتبه أثناء وجوده في السجن وأثناء انتظاره لحكم الاعدام الصادر بحقه!، ويعتبر أحد الأعمال الفلسفية الأكثر شعبية نظرا لعمقه ودرامية حواراته وصدق عواطفه.

وكان للسجن الفضل في إلهام المستكشف "ماركو بولو" للكتابة عن رحلاته في الصين، وكان لهذه القصص تأثيرا كبيرا في أوروبا وعلى الواقع الذي كانوا يجهلونه عن أبناء ذلك البلد.

وحكم على الشاعر "دانتي" بالنفي من بلاده من قبل البابوات، ولم يقتله البعد عن وطنه بل كتب الكثير من النصوص الشعرية.

وأخيراً، "الماركيز دي ساد" والذي سجن لمدة 11 عام في سجن باستيل، أنجز خلال احتجازه  11 رواية و16 قصة قصية و20 مسرحية!.

اطلبوا العلم ولو بالسجن

سُجن السياسي الجنوب أفريقي "نيلسون مانديلا" لمدة 27 عاما،  وفي زنزانته بدأ في دراسة بالمراسلات للتحضير لليسانس الحقوق من جامعة لندن، ومن ثم نقل مع زملائه إلى سجن آخر في جزيرة روبن ايلاند، وانتخبه السجناء عضوا في مجموعة تمثل السجناء السياسيين، وأنشأ جامعة حيث يحاضر السجناء كل حسب اختصاصه وخبرته ويتناقشون من خلالها في الكثير من المواضيع، وبعد أعوام بدأ بكتابة سيرته الذاتية، والتي كانت تهرب إلى لندن، من دون نشرها، واكتشفت سلطات السجن عدة صفحات فأوقفت الامتيازات الدراسية له لمدة أربع سنوات، مادفع أخيراً إلى تكريس وقت فراغه في زراعة الحدائق وقراءة ما يصل إليه، ليستأنف فيما بعد دراسة الحقوق.

نور من رحم الألم    

كل أولئك الأشخاص ذكرنا انجازاتهم مع تحفظّنا لمدح أعمالهم لما عليها من اشارات استفهامية كثيرة، وقد أوردنا تلك الأسماء لنعلم أنّ السجن لم يكن يوماً عائقاً عن العمل، والدليل هو الانتاجية التي قدموها رغم ظروفهم الصعبة، وإلا فبعضهم كانت أفكارهم خاطئة منحرفة كالماركيز دي ساد، والتي اشتقت السادية من اسمه، ومع ذلك فلا يبرر ذلك سجنه وتعذيبه.

كل أولئك كانوا شخصيات من عامّة الناس لكنّهم تحدّوا السلطات أو تعارضت أفكارهم مع السلطة الحاكمة انذاك سواء كانت سياسية أو دينية.

أما أن تُسجن سلالة الأنبياء وأبناء الأوصياء، أصحاب الرسائل النبيلة، خزّان العلم الأصيل، مصابيح الدجى، فهو مايحز في النفس أكثر، ومايعتبر خسارة للبشرية بشكل أعظم من غيرهم.

وكان الامام الكاظم عليه السلام إحدى أبرز تلك الشخصيات، فقد أودع في غياهب السجون من قبل الدولة العباسية وبقي حفنة من السنين يعاني الآلام والتعذيب.

ومع ذلك لم يجزع بل شكر الله على أن فرّغه لعبادته، تنقل الامام لأكثر من سجن، ولما سجنه الطاغية هارون الرشيد في بيت السندي بن شاهك، كانت عائلة السندي تطل عليه فترى سلوكيات الامام المظلوم فاعتنقت شقيقة السندي فكرة الامامة وكان من آثار ذلك أن أصبح حفيد السندي من أعلام الشيعة في عصره.

وبعد عام نقل الامام إلى بغداد ثم افرج عنه ويقال بسبب رؤيا رآها الرشيد في منامه، لكنه بقي تحت الاقامة الجبرية، وخلال تلك الفترة كان يلتقي مع هارون ويخوض المناقشات الدينية.

عاد الامام إلى السجن في بيت الفضل، ثم اودع الامام في سجن البصرة  بعد أن رفض الفضل قتل الامام، وهذا السجن كان تحت اشراف رئيس سجنها عيسى بن ابي جعفر، وأخلاق الامام أثرت على الجميع من السجناء إلى رئيس السجن، فكان لهذا أثر في قدرة العلماء الوصول إليه بشكل سري ورواية الحديث عنه.

كان الامام سبب في هداية الكثير وهو في سجنه، ومنهم الجارية التي بعثها هارون إلى الامام لخدمته وقد تحولت إلى عابدة..

نعم، فالامام صلوات الله عليه، ورغم ظلمة المطامير والسلاسل التي قيدته والجدران التي حبسته عن محبيه، إلا أنه ظل منارة وشعلة تتحدى الظلم والألم..

رحم الله شاعر الثورة محمد مهدي الجواهري عندما قال:

سلامٌ على مثقل بالحديد.. ويشمخ كالقائد الظافر

كأن القيود على معصميه.. مفاتيح مستقبل زاهرٍ..

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق