مسيرة الأمير بين الصبر والاحتساب

لله درّك يا ابا الحسن، عشت بين ظهرانيي قوم قد ناوئوك وقلّبوا لك ظهر المجن، أفردوك في مواطن كثيرة إلا القلة القليلة

ليس غريبا أن يصادف ارتحال الوصي في الواحد والعشرين من شهر رمضان المبارك شهيدا مضرجا بدمه، وأين الغرابة ياترى وهو الذي أوقف حياته كلها لله، أفلا يؤثره الله بخاتمة سعيدة كهذه الخاتمة؟.

ثلاثة أيام والوصي على فراشه يوصي بوصاياه للأمة التي عاش في كنفها، عاصر رجالاتها عمرا نيّفَ على الستين، وقد تجرّع غصص الآلام والويلات من شذاذ الآفاق، ومن الخارجين على وحدة الكلمة والصف، لكنه صبر واحتسب فيا له من امام صابر محتسب..

لله درّك يا ابا الحسن، عشت بين ظهرانيي قوم قد ناوئوك وقلّبوا لك ظهر المجن، أفردوك في مواطن كثيرة إلا القلة القليلة المخلصة ممن بقي على عهد الاخلاص والوفاء، لكنك نصحت وأعطيت غاية المجهود كي تعود أمة نبيك لسابق استقامتها وعهدها.

الصبر لم تكن مفردة غائبة أو مغيبة في قاموس علي، فلقد تجرع مرّ كؤوسه منذ بدايات الدعوة حتى زمن ارتحاله عن دنيانا.

إلا أن أشد الرزايا والخطوب التي تجرعها سلام الله عليه هي ارتحال النبي الأكرم إلى دار الحق.. كان يوما عصيبا على قلب الوصي، وهو الذي عاش في ذرى عطفه وتحت جناحه.. يخطو خطاه ويرفع له منه كل يوم علما ليقتدي به، فَقَد الوصي بارتحال ابن عمه خيمة كانت تظلله وتغدق عليه وعلى المسلمين بأنوار وحي التنزيل والقداسة والايمان، فأصبح للأمة أب واحد بعد أن كان لها أبوان اثنان.

فما كان من علي إلا أن يصبر ويتجرع من المرارة كأسها الأولى.

أما الكأس الثانية فكان صبره على فقدان عزيزته الزهراء وأم أولاده وهي في ريعان شبابها.. حزن على فقد زهرته كأشد ما يكون الحزن، وتجرع مرارته وهو يرى اليتم قد حل في عقر داره، وهو من قد عرفناه كيف يصبح حاله إذا مرّ بيتيم، إنه القائل:

ما إن تأوهت من شيء رزئت به

 كما تأوهت للأيتام في الصغر.

بقي الامام حبيس الدار لأعوام مديدة.. يتجرع كأسه الثالثة بانقلاب القوم عليه وازاحته من مقام الخلافة.. عنادا ولؤما من نفوس جُبلت على الخيانة والتآمر والخديعة.. حتى بعد أن بويع بالخلافة بقي سلام الله عليه صابرا محتسبا وهو يرى التآمر ممن يسمون انفسهم بالأصحاب.. وبالأخص من قريش والتي هبت بوجهه كعاصفة هوجاء في أيام خلافته للمسلمين.

وفزعت كأشدّ ما يكون الفزع وخافت على مصالحها ونفوذها الذي ظفرت به في أيام الخلفاء، فبدأت بنسج خيوط التآمر للإطاحة بحكومته.. فكانت واقعة الجمل وصفّين ثمّ تتابعت عليه الرزايا والخطوب وهو صابر يحتسب حتى لاقى ربّه شهيدا محتسبا في بيت من بيوت الله.. فأي صبر هذا الذي انطوت عليه أضلاع علي؟! وأي صبر اشتملت عليه سريرته النورانية المحتسبة لرضوان الله؟.

ولو سألنا عليّا اليوم: أي الكؤوس ياسيدي أشدّها مرارة على قلبك وأضناها لفؤادك؟

لأجابنا وبلا تردد: هو فقداني لرسول الله.. إنه والله أكثر الكؤوس مرارة، وأثقلها مصيبة على الجَنان. وأشدها وقعا في النفوس.

فالمصائب العظيمة التي توالت على أمير المؤمنين (عليه السلام) كثيرة لا تحدها الصفحات إلا أنه كان يتأسى بمصيبة فقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنها أعظم المصائب عليه، فقد روى الشيخ زين الدين في كتاب مسكَّن الفؤاد عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله وسلم): (إذا أصاب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها ستهون عليه).

وعنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في مرض موته: (أيّها النّاس أيّما عبد من أمّتي أصيب بمصيبة من بعدي فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بعدي فإن أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي).

وجاء في الكافي عن أبي جعفر عليه السّلام قال: إن أصبت بمصيبة في نفسك أو في مالك أو في ولدك فاذكر مصابك برسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق