كسر القواعد المألوفة وانتاج المختلف

شارك الموضوع:

من الأسباب التي تجعل الأنسان متفردا ومختلفا والتي أخبرني بها أحد المعارف هي كسر القوالب المألوفة

الحياة قائمة على مجموعة من المحددات التي يضعها الفرد لنفسه أو مُتفِق عليها المجتمع، وتلك التي تكون قانونية سواء قانون سماوي أو أرضي، وهناك قواعد منطقية ثابتة لا يمكن كسرها أو التعدي عليها أو حتى قلبها فالخسارة والربح، والنور والظلام ثوابت لا يمكن استبدال أحدهما مكان الآخر، والجميع منساق تحت هذه القوانين الطبيعية، التي تحكمه من حيث يشعر أو لا يشعر.

من الأسباب التي تجعل الأنسان متفردا ومختلفا والتي أخبرني بها أحد المعارف هي كسر القوالب المألوفة، وظننته بادئ الأمر تمردا حتى أكمل لي قائلا: يجب أن أكون على معرفة تامة بكل القوانين والقواعد حتى أستطيع كسرها بما لا يكسرها! وهناك تولد نقطة الاختلاف ولادة إبداعية مختلفة، هذه القاعدة الجمالية الأولى لكسر المألوف.

وفي البحث عن أشخاص قلبوا المفاهيم رأسا على عقب وأضافوا لها معانٍ جديدة نجد ساحة الانتصار ترحب بنا لتعرفنا على شخصية أخذتْ من مفهوم الخسارة السائد لتضيفه إلى مفهوم النصر بل وحولته إلى نصر مستمرٍ متجددٍ، فالمتعارف أن الحرب بين طرفين والتي تنتهي بقتل أحد الاطراف يُعتبر هو الخاسر، أما في قضية الطف فقد تحولتْ الخسارة إلى فتح عظيم فُتِحَ به الدين ليبقى ذلك الفوز الباب الذي يدخل منه الناس لدين الله أفواجا، فانتصار الدم على السيف في واقعة يُضرب لوقعها الجبين كسر حدود المعقول واجتاز ذلك بخلودٍ منقطع النظير، ولم تقف تلك الحادثة هناك بل استطاعت أخته السيدة زينب عليها السلام أن تغير أيضا مفهوم السِّباء الخانع إلى الشموخ حيث استطاعت فضح يزيد وأعوانه دون تردد ليأخذ هو دور الخائف منها فيلوي لسانه ويتعثر به، فلم تسعفه فصاحته وشعره ومفرداته على أن يرد عليها فاتخذ طريق الضعف ألا وهو الزجر لإسكاتها عليها السلام.

هذه الأمثلة أعلاه تمثل كسر القواعد المتعارفة دون تعدي على مسمياتها فالسيدة زينب عليها السلام كانت مسبية لكن لم تخضع لمفهوم السبي بل منه اتخذتْ موقف قوة لاثبات أحقيتها وكذلك الإمام الحسين عليه السلام لم يستسلم أمام فقده لأغلى ما عنده من أهل وعشيرة بل راح يؤسس لمواقف لا زالت الإنسانية تلهج بها، فعندما نريد أن ننطلق لمطالبة بحقوق أو ثورة على الذات ننطلق من نفس المفاهيم التي نحن فيها نكسرها لكن لا نتعداها، فعندما يكون الانسان مظلوما عليه أن يتحرك ضمن  هذا المفهوم ويكسر مظلوميته ويأخذ حقوقه لكن لا يتعداه ليكون هو الآخر ظالما، وفي كل النواحي قبل أن يحاول المرء أن يصنع ثورة على أمر أو قاعدة أو حتى يحدث تغير بسيط لا بد من معرفة ذلك الأمر أولا والاحاطة به ومعرفة ما عليه من حقوق ثم ينطلق لكسره وتغييره دون تعديته.

وهكذا كل فكرة لإحداث تغيير في شتى المجالات تسبقها خطوات على المرء أن يعرفها ويتحصن بها من نعته بالتهور أو السخرية منه،  من أهم تلك الخطوات هي المعرفة بما يريد تغييره، فمثلاً القصة القصيرة إذا أردت أن أحدث تغيير فيها من المفترض أن أعرف كيف تتم كتابتها وأنواعها وشروطها وغيرها والتمعن فيها، ثم أنطلق بجديد لا يمس مفهوم القصة القصيرة ولا يتعداها وإنما ضمن الأطر الموضوعة لكن بحلة مختلفة عما هو متداول، هذا مثال بسيط يمكن تعميمه على مختلف المفاهيم: الثورة، الحرية، الفن، الحقوق، وغيرها، حتى لا يكون الانسان متخبطا وضعيفا في تغييره، بل يُقدم أطباقه المختلفة بكل ثقة واعتزاز.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق