لا تقتل قضاياك مرتين

شارك الموضوع:

لا عزة لإنسان لا يصر على العيش عزيزاً، ولا خير في بشري يرى الحق ولا يتبعه ويرى الباطل فيهب منغمساً فيه

لم يخلق اللّه الإنسان بصورة عبثية، بل ولد عنصراً فاعلاً في الحياة، يتأثر ويؤثر. مخلوق لمهمة عظيمة، يغفل الكثير عنها؛ مهمة الخلافة في الأرض، نسي الإنسان مهمته، وراح يستهلك ذاته ويذلها يتملق ويضحي بمبادئه وأخلاقه، إرضاءً لهذا أو ذاك حتى أن البعض تجرد من إنسانيته من أجل غايات دنيوية لا قيمة لها.

فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي ميزه اللّه بالعقل في هذا العالم الدنيوي. وهو وحده من يتحمل تجربة المسؤولية وتجربة التمييز ثُمَّ الإختيار بين الخير والشر، وأن يرتقي إلى رتبة القيم الأخلاقية التي تُظهِر علامة إنسانية صاحبها. فما إن أثّر العقل في صاحبهِ استدرك النزول إلى حضيض الأنعام.

فالعقلانية هي ما تُميز الإنسان.. متجلية في ما يعمل من أقوال وأفعال من خلال تعامله في المجتمع وتأثيره فيه. ولا يحيد عن طريق الحق من أجل منفعة ذاتية ويتعامل بمصطلح الأنا، ضارباً عرض الحائط مصالح بقية الأفراد.

فالأخلاق الرصينة؛ هي كينونة الإنسان السوي وهي الركيزة الأساس الثابتة من  الدين. لذا خص الله رسوله "صلى الله عليه وآله" بالأخلاق حيث قال جل وعلى: (وإنك لعلى خُلقٍ عظيم).

لذا لا يمكننا إلا أن نؤكد مع فيلسوف المنطق والأخلاق طه عبد الرحمن أن «الأخلاقية هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلاً عن أفق البهيمية". 

فمنذ خلقت البشرية ولد الصراع بين الخير والشر. وما قتل قابيّل لأخيه هابيّل خَير مثال، على الحسد والطمع. وبما أن النفس البشرية، ضعيفة أمام مغريات الحياة، وممهدة للوقوع في مستنقعات السوء قد تتصادم القيم والمبادئ التي كرم الله بها بني آدم  خوفاً وطمعاً في خسارة  منصب أو وجاهة ما، أو نقص في الأموال.

ويصبح بعلمه أو حتى من غير علمه عبداً للناس، للمال، للمناصب، أو مروجاً للأفكار المضللة، يلهث خلف الأهواء والنزوات، يبتعد شيئاً فشيئاً عن اللّه ويصبح قرين الشيطان، وما أكثر الشياطين التي تسير على الأرض.

هنا يأتي دور العقل الواعي والمتجسّد في رضا اللَّه والسير على نهج كتابه وسُننه وهو الحد الفاصل بين تلك الرغائب وبين السعي في رضا اللّه.

فمتى ماخلت المجتمعات من المبادئ والقيم وصدق الكلمة، وتعالت كلمات الباطل، ولا يجد المظلوم من يناصره؛ يصبح الإنسان السوي غير مرغوب فيه.. وغير قادر أن يعيش بحرية، في مجتمع يسوده الظلم والفساد.

يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر". فمشكلة هذا الزمان أنه يجعلك قسراً تتصادم مع مبادئك، ويجعل عملية بيع القيم تجارة رابحة للبعض. فما تنازل الإنسان عن حقه في قضية أو هدف ما يسعى لتحقيقه؛ إلا وقتل قضيته مرتين ولنْ يرَى توهج نورها بعد أن اطفأها بخذلانه وتهاونه.

وماخطبة السيدة زينب عليها السلام في مجلس يزيد خير مثال للثبات على القضية  ونصرة أخيها وإمام زمانها عندما سألها الطاغية يزيد: ماذا رأيت صنع الله بكم؟

وكان يظن يزيد والحاضرين في مجلسه؛ أنها ستكون منكسرة ذليلة فأتاه الرد الصاعق.. مارأيت إلا جميلاً...

إصرار على نجاح الهدف واستمرار القضية التي استشهد في سبيلها الإمام الحسين "عليه السلام" وأهل بيته وخيرة أصحابه، بيّنت للحاضرين أن الحسين خَرج ليعيد المسار الصحيح لدين جده رسول اللّه (صلوات الله عليه). بكل أبعاده الإنسانية والأخلاقية ويذّر بما لحقت به الدولة الأموية من زيف وتحريف وظلم للرعية.

فالثورة الحسينية هي نهضة فكرية أكثر من أنها استشهادية. ولاتزال مناهل شعاراتها  تستلهم منها الأمم، الثائرة على الظلم والعدوان، ومن يسعى لنصرة  قضيته. إذّ حولت القضية بعد استشهاد أخيها الحسين عليه السلام إلى قضية فكرية ثقافية وضحت فيها أسباب الثورة، وخرجت بنتائج عظيمة وأثمرت في مبتغاها الرسالي، ووضعت ركائزها العميقة لجيل بعد جيل بعد أن استفاقت الأمة من سباتها.

الدنيا دار اختبار وفي كل زمان يبتلي الله الإنسان بنوع من الإبتلاءات وها نحن مثقلين بتزيف تاريخنا، ومحاربة الدين والعقائد وتجريد الأخلاق والمبادئ وتوظيفها بغير اتجاه بحجة الحرية والثقافة الفكرية المنحرفة.

انغرس الشك والوهم في جميع سلوكيات الفرد، أفكار متداخلة ومبعثرة تتصارع مع أبناء هذا الجيل حتى انجرف الكثير منهم مع التيار من غير وعي وسلكوا طريق شائك بعيداً عن دينهم وأفكارهم وتقاليدهم. كلمّا قدمت له النصيحة أجابك متذمراً.. "هو احنه شماخذين من الدنيا"! هَجر السعي والعمل حتى في تطوير ذاته.. أقل مانصفه أنه مات سريرياً.

والبعض الآخر يمجد أيام الزمن الجميل ذلك الزمن الذي كان فيه الفرد مستعبداً.. أيام ماكنة المثمرة التي يرمى أي شاب فيها لمجرد عدم ولائه للنظام، أو فقط لأنه يقتني في مكتبه كتاب ديني أو لأنه يُربّي لحيته، زمان الحنطة المملوءة ببرادة الحديد، وسلسلة الحروب الدموية راح ضحيتها شباب بعمر الورد. 

يتباكون على أيام الزمن الجميل في عهد النظام  البائد وهم لا يعلمون عن مظلومية ومعاناة الجيل الذي سبقهم من إبادة جماعية ودفن جماعي وتهجير، بل البعض لايريد حتى أن يبحث ويطلع أو يقرأ عن تلك الحقبة المظلمة، ولكن يعزز ثقافته المغلوطة من منشورات التواصل الإجتماعي وما أكثر المنشورات المغلوطة والمزيفة فيها.

فالإعلام الذي أباح قتل الحسين سيد شباب أهل الجنة، وقال عنه صلى الله عليه وآله: "حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسينًا وأبغض الله مَنْ أبغض حسينًا" ونزّه يزيد شارب الخمر وظالم الرعية وصنفه أمير المؤمنين. وأشاع بالكوفة أن هؤلاء خوارج ودعا إلى رجم أهل البيت بالحجارة في سوق الكوفة. هو نفس الإعلام ولكن بأساليب متنوعة.

فليكن لدينا الوعي، إلى متى نعيش زمان غير زماننا؟

لماذا لا نخرج من دائرة الأحقاد ورمي أخطاء جيل على جيل آخر؟ أما حان الوقت للنهوض من سبات الجهل.

نعم تعاقبت على العراق حكومات فاشلة وهزيلة وفاسدة  منذ السقوط وحتى وقتنا هذا؛ ولكن هذا لا يعني أن نقف وقفة المتفرج ونندب حضّنا العاثر قيل قديما: "الحقوق تريد حلوك" لا تستسلم، طالب بالتغير، اطلب حقوقك بطريقة حضارية، لا تتباكى على زمان مضى.

فلا عزة لإنسان لا يصر على العيش عزيزاً، ولا خير في بشري يرى الحق ولا يتبعه ويرى الباطل فيهب منغمساً فيه. لا تدع الجزع يحرفك عن مسارك الصحيح. فالمتربصون المنافقون كثر والأبواق الناعقة المزيفة للحقائق تصدح "بالتغير المغرض" حسب ميل مركبهم في كل وقت خصوصاً بعد أن سهلت لهم مواقع التواصل الإجتماعي خدمات الثرثرة المغرضة.

لا ضرر في المطالبة بالتغيير ولكن احمِ قضيتك من الشبهات وانتبه أن تكون عبداً تنفذ مايطلب منك ومايملي عليك عدوك دون أن تشعر.

يقول أحد الكتّاب: "والإنسان إن لم يكن حاضر الذهن وقع في الاستحمار، والإستعمار دائماً ما يدعوك إلى أمر تريد أن تسمعه، أمر طيب يكون في باطنه الاستحمار؛ ليشغلك بأمر عارض عن قضيتك الأساسية، وإن لم تكن منتبهاً واعياً وقعت فيه فعندما يشب حريق في بيت ويدعوك أحدهم للصلاة في المسجد والذكر والتضرع والانصراف عن إطفاء الحريق فهي دعوة خائن".

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق