العام الذي رحل في يوم

783 2019-12-29

  إنه مَقدَم العام الجديد وعلى أعتابه تتهافت مئات العبارات التي تصك الأسماع وتحثُّ المرء على القلق ولفظ حياته بأكملها لصنع واحدة اخرى.

بل  إنه أشبه بمركبة قسرية تنقلنا من كوكب لآخر بنيّة النجاة وكأن وجودنا على الكوكب السابق مقبرة وتحنيط أموات!.

إنها الفرصة التي يبرز بها الجميع أقواله ليخبروك أن حياتك في العام الماضي مهترئة مترهلة وتحتاج لصياغة إسعافية في العام المقبل وإن لم تفعل سيضيع عامك سُدى ككل عام..

في الواقع جميع من رأوا الحياة بهذه النظرة تطرّفوا إما للجانب المليئ من الكوب أو للجانب الفارغ وتركوا التوازن بعيدًا وأصبحوا مغالين بالفرح وبالحزن، متناسين بأن الحياة رواية وبكل فصل منها نحتاج التوازن وحسب.

على الذين يهتفون بشعارات العام الجديد إضافة بند آخر .. بأن تحب حياتك التي تعيش بطولها مهما كانت وبأي عام كانت، وتحترم مشاعرك الانسانية المتولدة بك من كل المواقف دون اجرامها وتعنيفها واستبدالها بأخرى قسراً بل بتقبل وحب لتمضي أيا كان حجم خسائرها..

وأن العام الآتي هبة من الله تعالى لإكمال هذه المسيرة البشرية بنقصها وكمالها وجميع مستويات المشاعر بها دون الضغط عليها بأهداف كبيرة غير حقيقية وبمشاريع ضخمة مهلكة لإستشعارها بقيمة خارجية أيا كانت.

فلقد جبل الانسان على رؤية النقص في الكمال ليحيله إلى كمال أجمل لكننا في الغالب نرى النقص ونتناسى الكمال ليحيل ذواتنا إلى نقصان مطلق مع التركيز الدائم.

عام مضى، كم ليلة ضحكنا، سعدنا، شعرنا بالطمأنينة والحب والأناة ومع ذلك لا نتذكر من الأعوام المنصرمة سوى اليوم الذي كان أقسى وأكبر لطمة وحزنا كالذي يخنق انسانا كاملا لأجل عيب واحد به.

كما يقال لا تتغير أحداث الحياة المعاكسة طالما لم يدركها المرء وتستمر بإعادة نفسها بذات الشاكلة السيئة وبمحض ادراكه واستيعاب الخطأ الذي فعله تتوقف هذه الدورة المغلوطة..

إن كان ولابد، لنتوقف عن قرن عام كامل بمصيبة واحدة فقط ويوم كامل بلحظة بؤس عابرة أو يأس.. وحتى شخصا كامل بخصلة نقصان وعيب.

العام الذي رحل في يوم اغلق الباب على ثلاثمئة وستون يوما كانوا مجللين برحمة الله وستره وعفوه ولطائفه وبالخيبات التي لولاها لما نضجنا والفرحات التي لولا رذاذها لما انتعشنا وبرحيق الأمل الذي يغمض أعيننا كل يوم على أن غدا أجمل..

عام مضى لندرك من خلاله أن الحزن وإن وجد فهو المخاض المؤلم الذي يلدنا لحياة أكثر جودة وليس عنواننا الذي يعرفنا للعالم والبهجة التي تصنعنا ونصنعها ليست إلا رصيد أخضر نكافح به الأيام الثقيلة وهكذا حتى نتوازن في فصول روايتنا.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز