القلادة

كان أحمد أديباً قاصاً هادئا قليل الكلام ، يفرغ ما في جعبته من مشاعر و أفكار على دفتره الصغير الملاصق له

انثالت حبات المطر ممزوجة بدموع الأصحاب.. ارتسمت ترنيمة الحمد على شفتيه... أخيرا... غفا قلبه المجنح على شطآن الخلود...

لم يكتمل مشهده الأخير ، ظلت سطور قصته الأخيرة بيضاء تلوح في فضاءات الهوى..

- ما الذي أغراه للانخراط معنا ؟

- كلنا كنا في شك من أمره حتى أسفرت حقيقته عن ياسمين دمشقي عطر ... وا خجلتنا وا حرقة قلبنا وندمنا .. كيف استطعنا أن نظن به السوء...

- عسى أن تغسل دموعنا إثم نظراتنا الجارحة، فلطالما رمقته بسهام الريب، فكان يدرؤها بدرع ابتسامة مشعة...

حُملت الجثة كيفما كان ،  هرول الأبطال سريعاً مبتعدين عن موقع الانفجار ...

عانقت سحابة الحزن أصحابه لأول مرة قبل أن يُزف الشهيد ، كان عهدهم أن يفرحوا بمن سبقهم إلى جنات الفردوس ، لقد خيبوا ظن أنفسهم عندما خالطهم شيء من عدم الراحة لوجوده فيما بينهم .

كان أحمد أديباً قاصاً هادئا قليل الكلام ، يفرغ ما في جعبته من مشاعر و أفكار على دفتره الصغير الملاصق له طوال فترة التحاقه بصفوف الحشد الشعبي .

بنطاله القصير و تسريحة شعره الغربية ، قلادته المتوارية خلف القميص ، ناهيك عن صمته الدائم- إلا ما ندر - كلها اجتمعت لتشكل زوبعة من الظنون حوله  ، ثم كيف بشاب بهذه المواصفات أن يرافق شيخاً معمماً !!

علامات الاستفهام والتعجب حفت مسيرته الجهادية ، لكنه كان متفهما وكثيراً ما سوغ تلك العلامات ،  فهذا الأمر من طبيعة البشر أولاً ، وثانياً الظروف والعدو زادا أوار الحرب استعارا ، فلو شك أحدهم بأخيه لم يكن ملوما ..

شرع صديقه حسين - وهو الشيخ المعمم - بتوضيب حاجياته ، لمح بزاوية عينه دفتر أحمد الجلدي ذا اللون الأحمر ، فتحه و أخذ يقلب أوراقه...

 أنا أحمد و هذه قصتي .. كانت هذه الجملة متربعة على الصفحة الأولى...

لن أنسج هنا قصة من خيال كما أفعل دائما ، ربما تكون هذه قصتي الأخيرة ، لذا سأكتبها بمداد الواقع علها تُحال بوصلة تهدي التائهين ..

لن أطيل الكلام فهذا ليس من طبعي ، سأروي لكم الفصول الأخيرة فقط ، ربما لأني أعتبر هذه الفصول هي حياتي الحقيقية ، أما ما سبقتها فقد كانت مجرد أبراج من رمال ..

تعرفت على حسين ذي العمامة البيضاء كما كنت أسميه  في جامع الحي الذي أقطن فيه ، قد تستغربون أن يدخل أمثالي الجوامع والمساجد ، و لكن لأصدقكم القول فقد دخلت الجامع لأستلهم بعض الجمل أرصع بها حكاياتي ، وكان أبعد وأقصى ما كنت أتخيله أن يأتي شيخ الجامع ليتكلم معي ..

يا إلهي ما هذه الورطة ؟ لو يدري ما أكنّه داخلي من انزعاج و ضيق من أهل العمائم  فهم سبب المصائب ، أنا شخصيا أراهم كالذئب المتنكر بزي النعاج ليلتهم واحدة منهن ، يا لهم من ماكرين يستخدمون الدين لتمرير رغباتهم الدنية ...

قاطع سيل الأفكار المتدفقة في رأسي بقوله :

-السلام عليكم .

أجبته محاولاً اخفاء كل هذه الأفكار :

- وعليك السلام .

- لقد سررت بمجيئك ، لاحظت تواجدك كثيرا في الآونة الأخيرة

ابتلعت ريقي ...

- نعم نعم أنا اتردد للجامع هذه الأيام .

-حللت أهلاً ووطئت سهلاَ ،  قالها وهو يقبض على يدي بكلتا يديه ..

تعمّد مفاتحتي بالكلام كلما سنحت له الفرص ، وكثيرا ما كنت أتهرب من ملاقاته و أشيح بوجهي عند رؤية طرف عباءته ، فلم يزده ذلك إلا اقتراباً و رغبةً في التواصل ...

أُذيب الجليد فيما بيننا مع تواتر الأيام ، رافقته في أسفاره العديدة لتوزيع الطعام والملابس على العوائل التي فقدت شغف الحياة ، كنت أتأمل عينيه فأرى بريق الصدق فيهما ، وفي مساءاتنا كنا نقتات النجوى حروفا  ... فتحت له خزائن قلبي المغلقة فلم ألمس منه إلا التفهم و الاعتدال ، و مكثت غير بعيد أبصره من تحت لحافي ساجدا راكعا فرقدت قرير العين مطمئن الفؤاد .

كان أشبه بوهم أن يرافق أمثالي شيخٌ يرتدي هذه العمامة ، فكل شيء فيّ مختلف هندامي أفكاري وحتى سلوكي..

لا أخفيكم سرا إنه طرز بصمته الشفافة على جَناني  ، بل وأعاد ترتيب كل المشاهد التي رسمتها عن المعممين ، فكل فئة تحوي الصالح والطالح والتعميم لن يجدي نفعا بل هو يعكر صفو الذهن النقي بأوهام ممجوجة .

ذات يوم رأيت حسين على غير عادته داخلاً إلى الجامع وقد غزاه الحزن و انقلبت ابتسامته ، أطلت مراقبته وهو يجيء ويذهب كأسد في زنزانة ، سلمت عليه فلم يرد سلامي .

- حسين حسين .. هززت كتفيه وأنا أناديه

-ما بك ؟ هل هناك خطب ما ؟!

- العفو يا أحمد ، انشغل لبي بخطب جلل فلم أسمع سلامك ... وعليك السلام ورحمة الله وبركاته

أطرق مليا وأردف :

-أين هو السلام ؟

-لقد زدتني قلقا وحيرة بالله عليك قل لي ما الذي حصل ؟

- أحمد ، لقد دخلت جيوش الشيطان لبلادنا وعاثوا فيها فسادا

- نعم لقد سمعت هذه الأخبار المؤلمة ، إن قواتنا الباسلة ستدحرهم بلا أدنى شك

- نعم يا أحمد ، علينا أن نكون يدا واحدة مع جيشنا الأبي لنسقي الأعداء من كؤوس الردى

- ما الذي تعنيه ؟ هل تفكر أن تلتحق بالجيش ؟

- لقد حشّد أهلنا جيشا مؤازرا و نادى وكيل إمامنا بالجهاد الكفائي ..

- أنا معك ، لن أتركك

دُهش حسين من جملتي الأخيرة ، و صمت لثوان ثم قال :

-أنت معي .... سنسافر غدا بإذن الله .

أوجبت سرعتي عثارا عند عودتي للمنزل ،  حمدت ربي أني لم أضلل طريقه ، رأسي يفيض بسديم هائل من الأفكار لم يعد عقلي يسعها....

تمثل أمام ناظري.. أهلي أمي أبي إخوتي أخواتي... حسين زوجته أطفاله أعمالنا بيوتنا سيارتي الفارهة حاسوبي الجديد لقد بقي في علبته الكرتونية .... إلى أين أنا ذاهب ؟؟

مع خيوط الفجر الأولى - يا لها من جملة مكررة أكتبها في كل قصة ولكنها تعجبني - سمعت صوت سيارة مخالطاً صياح ديك الجيران فعرفت فورا انه حسين ، و مع سهري ليلة البارحة إلا أني لم أضع كثيرا من الحاجيات في حقيبة ظهري ، فما الذي آخذه وما الذي أتركه !!؟

غابت ظلال البيوت ، سارت المركبة بعيدا...إلى أين ؟ لا أدري ، ولكني متكئ على وجود حسين الذي استعار من الملائكة صوتها وهو يرتل آيات العشق و يصدح بدعاء علمت فيما بعد أنه يدعى دعاء أهل الثغور ، تغير وقع صوته وهو يقول (و انسه ذكر الأهل والولد .. ) من المؤكد أنه تذكر صغاره غسق ومهدي الذي أتم عامه الأول يوم سفرنا ، آه ..لقد أسمى وليده على اسم المنقذ ، يا إلهي اشتبكت حبال أفكاري ، الفتوى ، ولادة الإمام المهدي ، ذكرى ميلاد ابن حسين ...

غمامة سوداء شكلها دخان السيارة عند توقفنا ، ترجلنا في استقبال مهيب من الجنود الموجودين في الثكنة ، كان التعب قد حفر أخاديده في أجسادنا فالطريق بعيدة ووعرة ، ومع شعور التعب الذي اعترى كل جزء من جسدي المدلل ، تنبهت لنظرات غريبة وهمسات ترافق تحركاتي ، ربما ملابسي هي السبب... قدم لي أحد الجنود ملابس عسكرية تقبلتها بكل رحابة صدر ، وقفت أمام مرآة صغيرة مكسورة في الثكنة ، جززت خصل شعري الطويلة فهي لا تتماشى مع هذه الملابس.

حاول حسين أن لا يبدي استغرابه من مظهري الجديد وسرعان ما استبقت كلامه بقولي:

- ما رأيك (باللوك الجديد )؟

فتبسم ضاحكا و أومأ برأسه مسرورا .

تسرحت قطع الليل و امتلأت رئتا الصباح بدخان كثيف ، الدبابات و المدرعات ، متطوعو الحشد بكامل أسلحتهم ، كلهم على أهبة الاستعداد ، سلمني أحدهم سلاحا كدت أسقط عند حمله هل هو ثقيل ؟ أم أن حياتي المترفة لم تؤهلني لحمل الأثقال ؟!

تدربنا لأسبوعين مع المتطوعين الجدد يا له من زمان لا تقاس به الأزمنة ، حان اليوم الحاسم يوم المواجهة..

بنشوة المنتصر انطلقنا تحدونا تباشير الظفر المؤكد بوعود الرب ، اشتباكات... كر و فر متحفزين لقتال جديد ، انطوت صفحات الأيام والليالي كنا نتشاطر فيها طعاماً ضاهى بنكهته أرقى المطاعم التي كنت ارتادها ، إنه مجرد خبز منقوع بمرق لم أميز كنهه ، لكنه أشهى من أي طعام آخر تذوقته ، فكيف هو يا ترى طعام الجنة؟

فُتحت مصاريع الصباح دون أن يرف لنا جفن بسنة أو نوم ، اجتمع بنا آمر اللواء وانتخب منا ثلة للذهاب إلى ( قاطع الدجيل ) ، إنها منطقة استراتيجية حرجة كما أوضح لنا في شرحه المقتضب وعلينا أن لا نألوا جهدا في حفظ الوطن و كسر شوكة المعتدين ، شددنا حيازيم الموت وتوجهت سريتنا إلى المكان المحدد فتوالت الأيام و أضحت الاشتباكات أشد ضراوة..

أشواك الظنون لا تزال تُغرز في جلدي الغض رغم كل التعديلات التي أدخلتها على مظهري ، ربما طريقة كلامي تثير مكامن الخوف ، لا أدري... أحاول أن لا أعير الموضوع اهتماماً فلست أملك الوقت لذلك.

نيران قذائف العدو أزاحت الظلام الذي يلفنا ، يا للهول ! اكتشف العدو مكاننا السري وتمت مهاجمتنا من كل حدب و صوب ، أمطرتنا الصواريخ .. اطلاقات رشاشات لم تمهلنا هنيهة ، لقد نصبوا لنا شراك مكائدهم ، غشيتنا جحافلهم فأُدنف بعضنا بالجراح فيما ذاق آخرون حلاوة العروج لرضوان الله..... لم يكن عددنا يكفي للمقاومة ، أخذنا أمراً بالانسحاب الفوري فامتثلنا...

لم تكن ليلة سخية بالنجوم ، همسات الأصدقاء أقضت مضجعي ، كيف استطاع العدو أن يرصد مخبأنا ؟

كم تمنيت أن أحظى بوسام الشهادة...

يا إلهي ألست جديرا بشذى زهرها الأخاذ ؟ هل إن ماضيي الكالح شكل خندقا يحول بيني وبين مرادي؟ ، ولكني أعلم أنك تقبل التوبة من عبادك  فامحُ سواد ذنوبي بممحاة المغفرة... ما ان فهتُ بهذه الكلمات حتى شعرت بسكينة تسري في عروقي ،  يا له من شعور جميل ليته يظل للأبد ، عاهدت نفسي أن أقاتل غدا قتالاً لا هوادة فيه  ..

لا أعرف كيف أبدلت قلمي الخفيف بكلاشنكوف.. فكلاهما محشو بالرصاص .. إنه الظرف بالطبع يحتم على المرء أن يختار سلاحه الخاص في كل معركة ، فلكل سلاح ميدانه وطريقته في قنص الأعداء .

اختمرت رغبتي العارمة بمسك القلم ، علي أن أخط وصيتي كما أخبرني حسين منذ بداية رحلتنا ، آن أوان كتابتها ، ولكني نسيت أن أسأله كيف أقوم بذلك؟

حسنا ، سأكتب ما جاد به قلبي ، قد تستغربين يا أمي إن تناهى لمسمعك أن ابنك الثلاثيني النزق ذا البشرة البيضاء التي لم تلفحها الشمس تعجّل الرحيل.. أنا آسف يا أمي ، لم أخبرك بكل ما جرى علي في الأشهر الأخيرة إذ لم اخطط لكل ذلك ، فالحرب نهمة للحوم الطيبين، والأرض ثكلى لا ترفض العناق.

كل ماحوته غرفتي من أجهزة وأموال وذهب اشتريته استعدادا لعرسي تبرعي به يا أمي فلن أحتاجه بعد اليوم..

أصدقائي الأعزاء لقد سطرت معكم أروع قصة في حياتي، إنها ملحمة تميس في بيادر النور، أرجو أن تسامحوني على مابدر مني من هدوء فذلك طبع لم أستطع التغلب عليه، لقد أخبرني حسين أن الشهيد لا يغسّل ولا يكفّن فأرجو أن تدفنوني مع قلادتي فهي أعز ما أملك..

انتهت الكتابة.. رفع حسين رأسه المنحني على الدفتر وقالتبصوت متحشرج: 

- هل بقيت القلادة معلقة بعنق أحمد؟

- نعم، لقد لمحت سلسلة معلقة بعنقه.. قال أحدهم.

نهض الجميع إلى الجثمان المسجّى، أخرج حسين القلادة الفضية فخرست الأصوات لحظة وقوع أنظارهم على القلادة التي حملت كلمة ( الله)، انبرى حسين يكفكف دموعه بطرف ردائه، نهض متمتما: 

-( رسم أحمد لوحة تزخر بألوان الحياة، أخبرنا أن الله، الدين، الوطن، ليسوا حكرا على أحد، وأن الشهادة لا ينالها إلا ذو قلب سليم).

لقد فرد أحمد أجنحة روحه الطاهرة، عندما اكتشف أن سيارة لمسوخ داعش تقترب من مكان تواجد حشدنا المقدس.

زأر بطلنا بأعلى صوته ممزقا وتين الصمت، سارع الخطى محاولا الانقضاض عليها ولكن سرعان ماتشظت العجلة لتدخل إحدى قطعها في جسده المبارك، اختلط عبق دمائه مع غيث السماء فاستحال صرخة انتشى منها المدى عزة واباء..

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق