سجناء الذاكرة


لابأس ما زلت اتنفس، مازلت على قيد الذكرى احيا بـِ بَوَى، توجعني اللحظات التي اعيشها، صرت اخاف من اقبالها عليّ، امقت الحياة من فرط تشبث الماضي بذاكرتي، ولهوهِ بجمال ايامي، يبعثرها بيديه ويمزق مستقبلي بمخالبه التي تعيدني للوراء كلما حاولت المضي قدماً..

ذاكرتي ترتل لي الاحداث كل ليلة اهجع بها من فرط تعب الشعور، ففراشي يذكرني بدميتي "ماريا" اول دمية امتلكتها عندما بدأت اعي الدنيا واعي انها اصبحت ملكي، اقترح علي عمي الذي اهدانيها

هذا الاسم شبيه اسم حبيبته في امريكا الذي مات وهو يتلوع من ذكراها!.

اذكر عمي جيداً، ذقنه الابيض ونظارته المستديرة، لكنني للؤمي آذيته بكلامي في آخر مرة زارنا بها قبل ان يموت، الى الآن ينهكني الندم، احتاجه اليوم وانا في حالتي المأساوية هذه، اذكر كيف كنت على ما يرام في وسط عائلتي قبل ان يختطف شبح الموت ابي وامي في حادث سير مشؤوم اودى بحياتهما.

اذكر كيف ودعاني لآخر مرة وكيف قبلتني امي واحتضنتني بحرارة كأنها قد شعرت انها اخر مرة تضمني اليها، اذكر كيف اوصتني ان اكمل دروسي وانام باكراً قبل عودتهما متأخرين ليلاً واذكر كيف انهم لم يعودوا!.

اذكر دروسي وكيف كنت مجداً، جدران مدرستي الوردية والرسومات على جدران صفي الدراسي،

زملائي الذين شتتهم وضع بلادي في انحاء الدول، اذكر ملامح شارع دارنا واصدقائي الذين كنت ألعب معهم كرة القدم حتى في اضيق الازقة..

اذكر واذكر واذكر.. كثيرة هي الاشياء التي تتذكرها وقليلة تلك الاشياء التي صارت تسعدني، ليتي افقد الذاكرة، فانني اموت قبل ان تموت كل ذكرى!.

......

سجناء الذاكرة هم ارواح تهمش وجودها في الواقع، معتنقة ذكريات الماضي واقفة عندها بكل بؤس وترح، تأرجح ذاتها بين الخيبة من رحيل الماضي وحيرة مواجهة المستقبل، يخلقون لانفسهم حالة من الكآبة فيصبح من الصعب عليهم الخروج منها بعدما تعمقوا فيها..

ان بقاء هذه الفئة في وجع الماضي يدمرها ويبعد المسافة بينهم وبين احلامهم، وتختصر حياتهم في ذكرى!.

يتخيلون انهم غير قادرين على الاستغناء عن بعض الافكار التي تلازمهم، وان اغلب الآلام التي يعيشوها بسبب محاولاتهم لربط الماضي بالحاضر، فيصدمون ان تلك الاماكن والمواقف والاحداث تخلت عنهم بعد ان كانوا جزءاً منها..

علينا ان نعلم اننا في هذه الحياة نعيش بين بابين، باب المستقبل وهو باب الامل وباب الماضي وهو الباب الذي يهدينا الخبرة والتجربة، فاذا نظرنا الى باب الماضي نظرة احترام وكسب الخبرات، سيساعدنا ذلك في السير نحو الباب الاول بكل نجاح، واذا نظرنا الى باب الماضي وركزنا على المآسي والجراح، فإن هذا سينهك قلبنا ويدمر باب الامل وباب المستقبل!.

ان كل مصاب بهذا الهاجس يستطيع ان يخرج ذاته من هذا المأزق من خلال:

*التحرر من مواقف الماضي بأن يجلس بهدوء لوحده ويتخيل الموقف الذي يؤلمه ويعيشه بتفاصيله، ويحاول ان يحدثه: "شكرا لك ايها الموقف لوجودك في حياتي.. تعلمت من خلالك الكثير، اتمنى ان ترحل بسلام وتتركني"، ويأخذ شهيقا عميقا ويحاول بزفيره ان يطرد بقايا ذلك الموقف او الذكرى في داخله.

*النظر الى الجانب المشرق من مواقف الماضي التي تلازمه والى اي شيء ايجابي كان فيها مهما كان صغيراً.

*محاولة اسعاد نفسه بالحاضر والتعايش معه، واقناع ذاته بأن الماضي افكار لاوجود لها.

*التوقف عن تذكر الماضي من خلال التوقف عن الحديث عن التجارب السابقة واحزانها.

*ان يكون متسامحاً وواثقاً وغير متردد او خائف من تكرار الماضي لانه اصبح اكثر خبرة وادراكا،

فإن كل العظماء لهم ماضي مؤلم اجتازوه نحو مستقبل اعظم.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز