بيوتات كربلائية تفتح أبوابها للزائرين

في مثل هذه الأيام تفتح الذكريات آفاقها لترسم أجمل الصور للعوائل الكربلائية التي تشغل بيوتهم لاستقبال الزائرين

رغم بساطة بيتهم يخدمون الزوار بكل ما لديهم من زاد وزواد.. كانت تبكي مذعورة لأنها لم تتمكن من الحصول على بيت تستأجره وتهيئه لاستقبال الزائرين فقد اعتادت على هذا الأمر منذ سنين خلت وذلك لصغر بيتها وعدم استيعابه للوافدين إليها..

أم علي من سكنة منطقة (الجاير) استوقفتنا دموعها لتفصح لنا عن السبب، ثم أردفت قائلة: في العام الماضي استطعت توفير ثلاثة بيوت لأستضيف الزائرين الوافدين اليّ من كل المحافظات لأن بيتي صغير وهو لا يكفي لاستيعابهم لهذا استيقظت اليوم والعبرة تملأ صدري لأني لم أتمكن أن أوفر بيت أستأجره.

أيام مباركة

في مثل هذه الأيام تفتح الذكريات آفاقها لترسم أجمل الصور للعوائل الكربلائية التي تشغل بيوتهم لاستقبال الزائرين وعلى الرغم من بساطة أعمال بعضهم  إلا أنهم يسخروا كل ما لديهم من مال وطاقة لخدمة زوار أبا عبد الله الحسين (عليه السلام) متكاتفين شبابا وشيوخا وأطفالا ونساءً جميعهم يد واحدة مستبشرين بشفاعة محمد وآل محمد يوم التلاق...

تجولت (بشرى حياة) في أزقة شوارع مدينة كربلاء المقدسة لتدخل الى بيوتهم وتنقل جانب من تلك الخدمات:

بركات الحسين

أبا علي رجل ستيني متقاعد صاحب محل صغير يعمل به في صناعة الأواني المعدنية (تنكجي) استوقفنا الموكب الذي بمحاذاة محله رحب بنا وشاركنا جولتنا قائلا: على الرغم من امكانياتي المحدودة إلا إني شيدت موكباً صغيراً بجوار محلي وأنا كفيله واسميته (بركات الحسين) فمن بركاته كل عام أتمكن من توفير متطلبات الزائرين وكثيرا ما استعين بأصحاب المحال المجاورة بأخذ منهم ما يكفيني من مستلزمات غذائية وبعدها أبدأ بتسديد المال حتى نهاية العام.

وأضاف: قبل شهرين تقريبا انتهيت من تسديد آخر قسط  لمؤونة السنة الماضية, ثم باشرت بشراء ما يلزمني من حاجيات ومواد والتحضير للزائرين.

 وأعرب أبو علي عن تعاون أصحاب المحال والترحيب بمساعدته دون امتعاض بتأخره في دفع مستحقاتهم كما يساهموا أحيانا بإحضار حاجيات بالمجان مثل الأجبان والبيض وغيرها.

أبناء يكملوا طريق آبائهم

من جانب آخر تسرد لنا أم حيدر ( 62 سنة) حكايتها في استضافة الزائرين في بيتها قائلة: منذ  عام 1995 ونحن نستقبل زائري الامام الحسين (عليه السلام)  بسرية تامة, وهم أصدقاء زوجي المرحوم لم يتجاوز عددهم العشرة رجال, ومنذ ذلك اليوم ونحن نتشرف بخدمة الزائرين.

وبعد ابادة النظام السابق بدأ الزوار يتوافدون لنا من المحافظات الجنوبية ليصل عددهم 60 شخص ثم بدأت تتزايد الأعداد عاما تلو الآخر ليصل إلى أكثر من 160 زائر.

كما نستقبل زائرين من مختلف البلدان ولكن هذا العام بسبب الأوضاع الصحية قلت أعدادهم بشكل ملحوظ.

واصل أحمد أحد أبناء أم حيدر( 40 سنة): اعتدنا أنا وأخوتي أن نخصص صندوقاً لادخار المال به من أجل شراء ما نحتاجه من مستلزمات لزيارة الأربعين.

كما يشاركنا بذلك أصدقاء وأقارب للمساهمة بالتبرع بالمال أو احضار ما يلزم من ثياب وأغطية ومفروشات وغير ذلك.

وأكد أحمد: كثيرا ما قدم لنا بعض الزائرين مساعدات مادية من جهتي كنت أرفضها فيسارع الزائر بشراء مواد غذائية جافه مثل (شاي, سكر, رز) كبديل للمال.

وتابع قائلا: نقوم أحياناً بمجالس حسينية حينما يأخذ الزائرين قسطاً من الراحة, ونبدأ  باستقبال الزائرين في العاشر من صفر إلى استشهاد الرسول (صلى الله عليه وآله) فإن الزائرين من المحافظات لا يطول مكوثهم، وبمجرد انتهاء مناسك زيارتهم يعودوا إلى مدينتهم ومنهم من يواصل السير إلى النجف الأشرف لإحياء مراسيم زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) أما الزوار العرب فيطول بقاءهم إلى حين الزيارة حيث ما يقارب العشرة أيام أو السبعة أيام, والكثير من الزوار يعاودون المجيء إلينا كل عام قاصدين بيتنا كما يبلغونا هاتفيا بمجيئهم.

 ويذكر لنا في إحدى السنوات حيث أقبل شهر محرم في فصل الشتاء ولبرودة الطقس وكثرة الزائرين سارع في تغليف سطح بيتهم ونصب سرادق بداخله لاستيعاب الزائرين الوافدين حيث وصل عددهم آنذاك إلى (300 ) زائر.

ختم حديثه مبيننا حبه الشديد لإكمال رسالة أبيه من بعد وفاته بخدمة الزائرين إلى آخر نفس فيه.

عاشوراء وسام فخر للحسينيين

إن طقوس عاشوراء دلالات تستحضر واقعة الطف وارتجال الزائرين من بيوتهم  مصطحبين عيالهم إنما يجسد ثورة الحسين (عليه السلام) التي لن تنتهي مهما أرادوا أن يمحقوها من الوجود.     

حيث نشاهد البيوت الكربلائية تفتح أبوابها للزائرين ناذرين أيامهم لخدمة عشاق الحسين حيث لا تعب يليهم ولا علة تعيقهم ولا سنين عمر تحول بينهم وبين العطاء, يبذلون ما يدخرون لعام من الانتظار وهم يترقبون طلوع يوم الأربعين بإشراقته العظيمة, وهم يحرقون ساعاتهم التي لا تُحتسب من أعمارهم, مشاهدتهم تخطف القلوب وتذهل العقول وتفخر بها أبجدية الانسانية وتتزاحم صور الايثار حيث الانعتاق من ملذات الحياة.

تراهم ملوكا متوجين بالخدمة بمنتهى التفاني فالكبير يخدم وملامح هيبته يعتليها العز ويشاركه الصغير والشاب والنسوة كلهم في ركب واحد دون تفاوت طبقي ولا مسميات أخرى سوى مسمى واحد يجمعهم (خدام الحسين) فما يُبذل للحسين (عليه السلام) هو قطعا غاية الجود والسمو.

شارك الموضوع:

آخر اضافات الكاتب (ة):

اضافة تعليق