أم البنين.. ليس كمثلك أحد!

أم البنين.. ليس كمثلك أحد.. إذ لا أم كأم البنين، ولا كالعباس ولد!.

منذ عامين ونيّف، كتبت روحي،* ... مشاعري التي حاولت بها ولوج عالمك الزاخر بالقداسة، فوُفّقت حيناً، وتعثّرت حيناً فوجدتك فوق رأسي، تصحّحين زلتي وتقوّمين عثرتي وتأخذين بيدي لأخطوَ ثابتةً على صراط معشوقك الأكبر، ومعشوقتك العظمى، فاطمة بنت محمد، عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها وكل من يواليهم ويواليها أزكى وأعطر السلام.

منذ ذلك الحين.. منذ ختمت آخر كلمةٍ من صمتي المجبول بالحنين، وأنا أشعر بأن للحياة طعم آخر، فيه مرارة خبز المرتضى وملوحة إدامه، ودمعك المنسكب عشقاً عند أقدامه.

منذ تلك اللحظة وأنا أعيش عشق اللفظة، "أم البنين".. أتقدم وأتأخر، أرتقي وأهبط، أمشي واثقة وأحياناً أقع، لأجدك أمامي وفوقي وحولي تمسحين وترأفين، وتحملين جذوة اليقين، لكل من طلب المدد ورفع الرأس رغم قلة الناصر والعدد، ملتمساً هدى إمام المتقين.

مولاتي.. مهما مضيت وتعثّرت، مهما ارتفعت وسقطت، مهما اهتديت وضللت، أرى شعاع عشقك ينير لي ظلمات الصمت وتعرجات الوقت، فأقتبس من شذراتك نفحة، ومن مناجاتك بحّة، ومن آلامك دمعة وقرحة.

وأقرأ عنك، قبل وبعد أن كتبت وأكتب، لك ومعك وعنكِ، فأجد التكريم والتعظيم، والتبجيل والتهليل.. ولكنني أحياناً أجد ما لا يقبله فؤادي الذي أترعته أنوارك وظلالك، وعايش سماءك فتفيّأ بجوابك وسؤالك، رغم ما يكتنف ذاك المقروء من تعليل وتحليل!.

فمنذ ذلك اليوم الذي حملتِ فيه اللواء، بعدما ارتقى سيد الشهداء علماً للهدى على رمضاء كربلاء، وبعدما تطايرت كفوف سيد النجباء بين المشرعة والسماء، وتقطعت منه الأعضاء ليشهد له الزمان أن لا لواء كلوائه، الذي تمزّق كإياه وتلطّخ بطهر دمائه، ولم يبق منه سالماً إلا موضع القبضة الشماء التي سلمها كمال عطائه..

منذ ذلك الحين، منذ علمتُ أن الروح التي ذابت في عشق الحسين حتى الفناء، قد احتضنت ذاك اللواء بكل الكل، فلم تتراجع حتى لبت النداء الأجلّ، وسلّمت لقلبك الملهوف السائل عن الحسين بلا تردد أو وجل، قبضة ذاك اللواء.

مولاتي.. منذ أدركتُ لمحةً من ذلك المدى اللامتناهي من العطاء، وتنسّمتُ نفحة من شذاك المضمخ بقدس الندى المتغلغل في سويداء الولاء، أدركت أن لا امرأة في الأرض تستحق هذه الصيغة الشمّاء،" أم البنين"، إلّاكِ!.

حينما نضع القدوة في سماء الحبوة، تتهادى بين أكناف الإمامة والنبوة.. نعلم أن لا شيء ولا أحد يصل إلى تلك القدوة.

نتماثل؟!.. نعم،.. نتماهى؟!.. نعم.

ولكننا لا نتسمى بما ليس لنا ولا يمكن أن نناله، طالما لا يمكننا أن نتسامى إلى طهر تلك السلالة!.

لست عنصرية، ولا أؤمن بالسادية، بل أؤمن بأن للكون سادةً وقادة، اختبرهم رب العباد في عالم الذر وقبله، قبل الولادة، فكانوا هم أصحاب الريادة، ونجحوا بل تفوقوا على كل من هم سواهم، وذاك هو العدل الإلهي الذي ليس فيه نقصان ولا زيادة.

مولاتي، حينما أستنير بشمسك، المستمدة من شمس الزهراء وحيدر، أدرك أنني أسعى وأتقدم فلا أتأخر، ولكن دون الوصول إليك مراتب ومقامات لا ولم ولن يمكنني، ولا سواي، أن يصل إليها ولو عاش الدهر وعمّر.

ولكن التماهي مع السماء يسمو بنا، والاقتداء بالنور يرفعنا إلى قممٍ لا يبلغها إلا المصطفَون، وفي هذا كفاية.

أما أن نتقمص دورك ونعيش عصرك ونبلغ قدرك، فلا وألف لا!.

لأننا لم نعش أمير المؤمنين كإياكِ.. لم ندخل صومعة العز ونطأ أعتاب المجد كإياكِ، لم نخدم الزهراء في أولادها ولم تسمّنا الحوراء والحسنين أماً لهم كإياكِ.

والأهم، أننا لم نلد ونربِّ لقائد الغرّ المحجلين، أربعة أسودٍ ضياغم بذلوا الروح رخيصة بين يدي سيد الشهداء، فكانوا في مقدمة الأصحاب الذين قال فيهم قولته الشهيرة:

"لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيتأبرّ ولا أوصل من أهل بيتي...".

بل إننا لم نلد ونربّ ونعلّم سيد أولئك الشهداء الأصفياء، العبد الصالح الذي كان في عبادته وجهاده ومعرفته وعلمه تاليَ المعصومين الأولياء، فكان بحقٍّ نبراساً للعلم والشهادة والفداء، منذ آدم حتى ظهور صاحب العصر وملبي النداء!.

مولاتي يا أم البنين.

معذرةً إليك، نتماهى بحضرة قدسك، ونتباهى بالانتساب لشمسك، وقد يزلّ اللسان فنتسمى بك تيمناً بأنسك، ولكن لا ولن يمكننا الوصول إلى ما دون تربة رمسك.

فاعذري جهلنا وتقصيرنا، واعلمي أن شوقنا لأحبابك، وحزننا لمصابك، وحماسنا المجنون لأن نقف ببابك ونصليَ خلفك في محرابك، هو ما يحدو بنا إلى هذا الادّعاء.

مولاتي، تحملين اللواء، ولا يحمله إلاكِ.. فإذا تنسّمنا رفرفة جناحٍ أخضر، نظرنا صوبك فرأينا، واقتدينا واهتدينا وعلى دربك مشينا، فاشفعي لنا وتقبلينا.

كل أم للبنين تقتدي بك وتفتخر، وتضع بنيها بين يدي بنيكِ وتحتسبهم وتصطبر، فهي خادمة لأم البنين.. هي جوهرة في تاجها المرصع بالعشق المتفاني والحنين، للحسين وأولاد الحسين وأصحاب الحسين، والقائم بالأمر سيد أنصار الحسين!.

مولاتي، يا أم البنين.. ليس كمثلك أحد، لأنه لا كبنيك ولا كبعلك ولا كمثلك أنت أحد!.

*هو تاريخ إنهائي لكتابة رواية "سألتك عن الحسين" التي تروي حياة أم البنين عليها السلام.

للاشتراك في قناة بشرى حياة على التلجرام
https://telegram.me/bashra313
التعليقات
تغيير الرمز

فيسبوك